الجزء الثالث من الفصل التاسع عشر رواية الخادمة الصغيرة الجزء الثاني
كانت رضا ببطئ ماشية وهي شايلة سطل المية في إيدها، وعقلها سرحان ووشها ملامحه متتقراش ....
دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء، شافت جلال نايم على السرير، عينيه مفتوحة وحاول يتعدل بلهفة وبيبص لها بنظرة تعبانة جدًا، زي العيانين اللي بيحاولوا يثبتوا إنهم لسة موجودين وواعيين بس جسمهم مش مساعدهم....
بصتلها بشحوب وقال بصوت واطي مخنوق
– اتأخرتي ليه كده يا رضا؟
فضلت بصاله لحظة من غير ما ترد، وبعدين قربت ناحية السرير، حطت كباية المية على الكومود وبصت له بهدوء ونبرة صوتها طالعة هادية أوي، هادية بشكل مخيف وهي بتقول وبتصب المياة في الكوب علشان ياخد دواه
– قلقت عليا؟
رغم انه حس بسخرية خفيفة في كلامها… إلا انه رد بصوت ضعيف صادق
– أيوة طبعا قلقت.
فضلت واقفة مكانها ثانية كأنها بتشوفه لأول مرة في حياتها… فضلت تتأمله .. بتتأمل جلال إللي بقى عنده ٣٧ سنة .. فضلت بصاله كتير وهي ساكتة وعيونها بتتنقل بعيونها على كل ملامحه ..
فجأة شافت ادامها جلال الصغير .. غمضت عينيها وضغطت عليهم بتمنع نفسها من انها تفتكر ! مش عاوزة تفتكره ولا تفتكر أي حاجة عن ماضيهم سوا.. فتحت رضا عيونها على جلده اللي بهت ، شافت عينيه اللي بقت مطفية… شافت الإنسان اللي مات من جوه قبل ما يموت على الأرض
قربت شوية… مسكت الكوباية تاني وحطتها على شفايفه وادتله الدوا وقالت بهمس رقيق وهي بتسنده بإيدها التانية من ضهره
– اشرب…معاد الدوا
شرب شوية مية، وبعدين بعدت الكوباية عنه، فضل باصص لها وكأنه عاوز يقول حاجة … عينيه بتدور على الكلام اللي جوة قلبه ومش لاقيه أو لاقيه لكن مش قادر يقوله ! هو عاوزها جنبه بس ومش عاوز حاجة تغير رأيها أو تخليها تبعد ... دا مجرد نطقه لإسمه اشتاق ليه .. اشتاق انه يبصلها ... يلمحها بعيونه ... يشم ريحتها ويتطمن بوجودها .. جلال كان ممكن يموت من الشوق ! يموت بجد .. مش مجرد تعبير مجازي ..
فضل قلبه يدق بعنف لكنه قال أخيرًا بصوت مبحوح جدًا
– رضا… انتي… انتي بتديلي الدوا ليه ؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، ابتسامة عادية فيها سكون وقالت بهدوء وهي بتسيب الكوباية على الكومود
– عادي .. إللي سقى كلب دخل الجنة .. هتيجي عليك أنت.
بصتلها عينيه باستسلام كامل حتى وهي بتهينه … ماكنش عنده رد، ماكنش عنده قوة لأي حاجة .. ومالوش عين أصلا بتكلم أو يرد عليهاا ..
سكتت رضا لحظة طويلة وبصت للأرض ، وبعدين رفعت عينيها فجأة وبصت له تاني وسألت بهدوء
– تفتكر يا جلال ربنا هينتقم منك؟ هيحاسبك هنا… في الدنيا على اللي عملته فيا ؟
اتصدم جلال من السؤال رغم انه كان نفسه يتواجه معاها ويسمعها ! تضربه وتعاقبه على كل حاجة عملها .. لكنه سكت، حس بتقل في صدره بيخنقه أكتر وأكتر وهو بيفتكر نفسه وعمايله القديمة … عينه دمعت وهو ييبصلها وبيقول بصدق
– أنا مستعد لأي انتقام … لأي عقاب
اتنهدت رضا هي بتقعد على طرف السرير، ورفعت حاجبها وردت أخيرًا
_مهما كان؟…
_ مهما كان يا رضا.
فضلت بصاله بهدوء، عينيها كانت سودة جدًا، نظرتها كانت ثابتة جدًا… مافيهاش أي حاجة… لا كره، لا حب، لا ندم…
سابت راسها تتهز بخفة كأنها بتوافقه بس من غير ما تقول كلمة، وبعدين قامت وقفت تاني، ملت كباية مكانها وشالتها من مكانها وبدات تشرب ومشيت ناحية الشباك… وقفت تبص للمنظر برا .. السما والشجر إللي بيزنيوا الريف ..… بس هي مكنتش شايفة حاجة… كانت بتفكر… بتفكر في حاجات كتير جدًا محدش غيرها يقدر يفهمها ...
---
