الجزء الأول من الفصل الثالث والعشرون رواية الخادمة الصغيرة الجزء الثاني
_______
دخل يحي المكتب وهو حاسس قلبه بيخبط في صدره بعنف… كان متوتر جدًا ومش فاهم أبوه عايزه في إيه دلوقتي، خصوصًا بعد ما علي زعق له عشان سباق الموتوسيكلات… هل يا ترى قال لجلال؟! خاف يحي لو أبوه عرف لأنه منبه عليه من زمان انه يبطل وهو وعد ابوه انه مبطل .. لكنه رجع وأشرس وأكثر تهور من الأول...
دخل بهدوء وقفل الباب وراه… جلال كان قاعد على مكتبه بيقلب في أوراق قدامه وكأنه كان بيلهي نفسه لحد ما يحي يدخل ، ولما حس بيه رفع عينه وبص له بنظرة هادية لكنها تقيلة خلت يحي يلتزم بكلام أبوه اللي قال ...
– تعالى اقعد هنا يا يحي.
يحي قرب وقعد قدامه، حاول يخبي رجفة إيده ويبين إنه طبيعي، بس جلال كان ملاحظ كل حاجة… ملاحظ خوفه وتوتره..
– مالك يا ابني؟ وشك مصفر كده ليه؟
رغم حنية جلال إلا انه كان حاد عند التصرفات الغلط ودا كان بيخلي يحي يخاف من أبوه جدا برغم حبه ليه
– لأ… مفيش حاجة.
جلال سكت شوية وهو بيبص له بنظرة فاحصة، وبعدين قال
– عايز أسألك… انت وإختك مالكو؟ بقالكو كام يوم بتتعاملوا ببرود وجفاء مع الكل… حتى معايا!
يحي اتشد في مكانه وقال بنبرة مكسورة شوية
– عادي يا بابا… مفيش حاجة.
– لأ يا يحي… فيه وهتحكيلي..
سكت يحي شوية وبص في الأرض .. فقام جلال من مكانه وراح قعد على الكرسي المواجه ليه وحط ايده على رجل يحي وهو بيطبطب عليه وبيقوله بحنان
_ متخبيش حاجة على أبوك يا يحي .. قولي يا حبيبي وكلمني ..
استمر صمت يحي وبعدين رفع عينه وقال
– بابا… انت شايف إننا كويسين؟
جلال اتفاجئ من السؤال وبص له بهدوء وقال
– لأ ! بس إيه السبب ؟
فضل يحي باصصله وساكت فجلال بدأ يسأل وهو محتار
_ أنا عمري قصرت في حقكم يا حبيبي !
هنا يحي بص في عيون أبوه وحس بتأثر وقال
_ لأ مقصرتش وطول عمرك جنبنا ومعانا .. بس .. من ساعة ما الست دي ظهرت وأنت مش معانا .
هنا السكوت كان من نصيب جلال إللي سمع يحي ابنه بيكمل كلامه وبيسأل
_ مين الست إللي دخلت حياتنا فجأة دي !! قعدت في بيتنا وخدت أبونا مننا
_ يحي !
ارتفع صوت جلال شوية واتغيرت ملامحه وهو بيسمع الطريقة اللي بيتكلم بيها يحي عن رضا فقال يحي
_ بص ! أهو وشك اتقلب أول بس ما جبت سيرتها واتكلمت عنها
تنهد جلال وقرب وشه شوية من مقعد يحي وقاله بحب وصوت حنون صادق
_ يحي يا حبيبي محدش يقدر ياخدني منكم أنا عشت حياتي عشانكوا ! أنا لولاكم مكونتش هعرف أكمل حياتي ولا كنت هبقى جلال إللي أنت شايفه دلوقتي !..
اتأثر يحي بكلام ابوه وهو فعلا عارف أد إيه هو حنون رغم خوفه عليهم الشديد جدا والحاد إلا إنه زعلان علشان خصوصا لما جه في باله كلام نسيمة وهي بتقول ان الست دي سابت أبوهم زمان وانه كان بيحبها وهي خانته وهربت مع مازن صاحبه وانها سببت لجلال أبوه جرح كبير جدا هو السبب في مشاكل كتير جدا في حياة جلال وهي السبب في شلل جدته انجي كمان !
يحي كان سرحان في كلام نسيمة اللي مر على دماغه وجلال بيكمل وبيقول وهو بيحاول يحنن قلبه على رضا
_ وبعدين دي مراتي الأولى .. يعني زي ماما !
_ زي ماما !!
قال يحي بغضب وبعدين كمل باعتراض شديد
_ زي ماما إزاي يعني ؟؟ أنا أمي ماتت وأمي الوحيدة اللي عايشة هي أمي نسيمة !
رفع جلال عيونه يبص على ابنه اللي وقف وهو متعصب ويحي بيكمل وبيقول
_ حياة حكتلي عن اللي حضرتك عملته معاها وانك خليتها تعتذر للدكتورة .. يعني مخدتش حق حياة حتى ولا دافعت عنها وعاوزها تبقى كويسة؟
سكت جلال وهو بيستوعب سبب حزن حياة وبيعرفه من ابنه وهنا كمل يحي قبل ما يخرج
_ احنا بنحبك .. بس الست دي احنا مش هنقدر نقبلها ولا نبقى كويسين طول ماهي هنا .
خرج يحي من المكتب وساب جلال قاعد مكانه، عينه بتلمع بالحزن وهو بيتابع ظهر ابنه اللي بعد عنه بخطوات عنيدة ومتضايقة... اتنهد جلال وهو بيحس بقلبه بيتقبض… تعب… تعب من كل حاجة.
قام وقفل الباب بإيده، ورجع لكرسيه الكبير وريح ضهره عليه ببطء… جسمه كله كان بيوجعه من الضغط والشغل والمشاكل اللي مابتهداش .. رفع إيده على وشه ومسح جبينه ، وبعدين غمض عينه شوية… بيحاول يلم شتات روحه… بيحاول ياخد نفسه…
لكن التعب غلبه، وبدون ما يحس… راح في النوم وهو قاعد مكانه، راسه ميلة شوية على جنب والهم مرسوم على ملامحه رغم غفوته.
بعد شوية… الباب اتفتح بهدوء… ودخلت نسيمة بخطواتها الهادية اللي صوت كعبها بيزن في الأرض برقة وخبث.. لكنها حرصت انها تمشي بالراحة عشان جلال ميصحاش ولا يحس بيها بعد ما لمحته نايم مكانه، ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي بتقرب منه، وقفت وراه ولمست شعره بحنية ، صوابعها بتعدي بين خصلاته بخفة.
– يا حبيبي يا جلال… تعبان كدة ليه؟
جلال حس بلمستها، فتح عينه ببطء واتنهد، حاول يبعد راسه عنها وقال بصوت مبحوح
– سيبيني يا نسيمة… مش وقته دلوقتي.
لكنها قربت أكتر، ونزلت بإيديها تعمله مساج بسيط في عضلات رقبته وكتفه، وبصوت ناعم وهمس خبيث قالت
