الجزء الثالث من الفصل الرابع عشر رواية الخادمة الصغيرة الجزء الثاني
طلع جلال السلم بهدوء تقيل…
خطواته كانت تقيلة من شدة همه وصدمته … قلبه موجوع... وقف قدام أوضة يحي، حس بقلبه بيدق في صدره بسرعة ، إيده كانت ممدودة على الباب قبل ما ياخد قرار يدخل ولا لأ... هيواجهه إزاي؟
دخل بهدوء… كانت الإضاءة ضعيفة، ويحي قاعد على السرير ورجليه على الأرض ، سايب ضهره مسنود على الهوا ومش متألم ولا زهق .. كان باين انه من ساعة ما جه الأوضة وهو قاعد على نفي الوضع .. ملامحه شاردة ومكسورة وخايفة.
جلال وقف ثواني يبص عليه… شاف ولده اللي كان بيجري في الجنينة وهو صغير، اللي كان بيضحك من قلبه، شافه دلوقتي مطفي… ضايع وبيشرب !
قرب منه بهدوء وقعد قدامه على الأرض ، خلى وشه في وشه… يحي مرفعش عينه، بس دموعه نزلت.
_ بصلي يا يحي…
قالها جلال بصوت هادي لكنه قوي، صوت أب راكز وعارف هو بيقول إيه. يحي رفع عينه ببطء، نظراته خايفة ومكسورة.
_ عارف إيه أكتر حاجة ممكن بتوجعني في الدنيا؟
سكت جلال لحظة وهو بيبص لابنه، ودموعه وقفت في عينه لكنه مسمحلهاش تنزل
_ إن ابني يطلع ضايع…
يحي شهق شهقة مكتومة وقال بصوت بيترعش
_ أنا آسف يا بابا… أنا…
جلال مد إيده بسرعة وغطى بيها وش يحي بحنان مفاجئ، وقال بصوت هادي دافي
_ اسمعني يا يحي… أنا مش عايز منك آسف… أنا عايز منك وعد… وعد إنك متسيبش نفسك تضيع…
فضل ساكت شوية وعينه غرقت دموع وهو بيقول
_ أنا مليش غيرك… فاهم يعني إيه مليش غيرك؟… لو انت ضعت أنا كمان هضيع… لو انت وقعت أنا هموت…
يحي دموعه نزلت أكتر وقال وهو بيهز راسه بسرعة
_ مش هعمل كدة تاني يا بابا… والله مش هعمل كدة…
جلال سكت شوية وبعدين نزل بوشه لوش ابنه وقال بصوت أب قوي لكنه مكسور
_ اسمعني كويس… الغلط مش إنك تقع… الغلط إنك متقومش… فاهمني؟… أنا عايزك تقع وتقوم عشان تتعلم .. بس اختار وقعاتك يا يحي .. عشان في وقعة لما تقعها .. مش هتقوم منها تاني … متسبش نفسك تقع وتنهار أوي.. وطريق المخدرات صعب يبقى فيه منه قومة يابني.
حط إيده التانية على كتف ابنه وضغط عليه وقال
_ أنا مش عايزك تبقى أنا… أنا ضيعت سنين كتير من حياتي… بس انت… انت متضيعش سنينك يا يحي… أنا كنت تقريبا أدك لما وقعت نفسي بنفسي وغلكت غلطة عمري ..
سكت لحظة، خد نفس عميق وقال بهدوء قوي
_ بكرة هنروح سوا مكان بعيد… هغيرلك جو… وهنتكلم كتير… عايزك تفتح قلبك ليا… فاهم؟…
يحي كان بيعيط بهدوء وحط راسه على رجل أبوه… جلال مد إيده بحنان رهيب وحطها على شعر ابنه، وهو ساكت… ساكت لكن قلبه بيدعي ربنا ينورله طريقه.
_ مسامحك… بس مش هسامحك لو ضيعت نفسك…
قالها جلال بصوت ثابت، ونزل يقبله في راسه قبلة طويلة وهو عينه بتلمع بحب كبير..
وكالعادة .. المتجسسة .. إللي بتظهر في أي مكان ! كانت بتتجسس عليهم وسمعت كل الكلام وجه في عقلها فورا فكرة وراحت علطول تنفذها .
دخل جلال أوضته…
كان تعبان... جسمه كله مرهق من التفكير والكلام والشد العصبي اللي حصل مع يحي النهاردة. قفل الباب ووقف قدام الكومود وهو بيفك زرار جلابيته، ونسيمة كانت واقفة عند التسريحة بتعدل طرحتها بهدوء مصطنع جدًا.
رفعت عينيها بسرعة وقالت بصوت مكسور وممثل بحرفية:
_ يا جلال… ممكن أقولك حاجة؟
بصلها جلال بنظرة تعب وإرهاق
_ في إيه يا نسيمة؟
تنهدت نسيمة، ومثلت إنها بتداري ارتعاشة إيديها من الصدمة وقالت بصوت مهزوز
_ والله يا جلال… أنا مش عارفة أقولك إزاي… بس… وأنا بنضف أوضة علي… لقيت حاجة… حاجة غريبة أوي…
اتشد جلال ووقف ثابت مكانه وقال بحدة
_ لقيتي إيه؟
نسيمة عملت نفسها بتبص حواليها خايفة حد يسمعهم، وقربت منه وخفضت صوتها وقالت
_ لقيت… لفة… لفة حشيش يا جلال!!!… لاقيتها في جيب علي واحنا بنغسل ملفوفة ! والله يا جلال أنا قلبي اتقبض… دا علي ابن كريمة المحترم .. يطلع بيشرب حشيش !!!…
جلال اتصدم وبص لها بنظرة طويلة… حس إن الكلام نزل على صدره تقيل… علي!! أخوه اللي مربيه… ابنه اللي بيعتبره سند كبير! … مستحيل… علي مش كدة…
دقت على الحديد وهو سخن وكملت وكأنها بتنوه عليه وبتحذره وتنصحه
_ خلي بالك يا جلال بالله عليك ونبه عليه الحجات دي متدخلش البيت ... عاوز يشرب.. يشرب برا انما في بيتنا لأ .. البيت فيه عيال صغيرة .. حمزة ويحي عيال افرض حد فيهم مسك في الحجات دي !!
فضلت باصة له من المراية… وعينيها بترصده… بتقيس انفعالاته. وأخيرًا قالت بصوت هادي جدًا، فيه سم ناعم.. وبعدين سألت سؤال
_ شوفتك خارج من عند يحي هو… يحي كويس؟
مردش ... فضل يفك الزرار ببطء وهو مطاطي عينيه لتحت.
قال جلال
_ أه كويس ..
_ آه فكرتك بصراحة عنده عشان ..
وفجأة سكتت وقال ايه كأنها قالت حاجة مينفعش تتقال فجلال بصلها بنظرة قوية وأصر إنها تكمل
_ عشان إيه؟؟
_ لأ مفيش يعني عشان تطمن عليه .
عملت نفسها بتحاول تتوه الموضوع ولكن جلال أصر
_ نسيمة .. انجزي ..
_ يعني عشان السباقات إللي علي بياخده فيها !!
قالت الكلام دفعة واحدة وهنا جلال ضيق عيونه وبصلها
_ هو لسة بيروح ؟
_ يلهوي ! دا كل ليلة وليلة تلاقي علي ساحبه ورايحين وميجيش غير وش الصبح !!
قالت نسيمة وهي عارفة هي بتقول إيه كويس أوي وبتدخل علي في كل جملة سلبية عشان تحسس جلال ان علي هو سبب كل المصايب ..
استدارت له وقالت، ولسانها بينقط عسل سام
_ بس أنا ليا سؤال يا جلال… يعني… لو علي طلع بيشرب وهو مع يحي في كل حاجة .. افرض يحي هو كمان لقط منه حاجة كدة ولا كدة وطلع بيشرب… ماهو يعني لما بيروح يسابق معاه في الموتسيكلات كان مين علمه ؟ ماهو علي .. !
رفع عينيه وبصلها بنظرة مطفية.. مفيهاش حياة ولا غضب ولا أي حاجة مفهومة.
قربت منه خطوة، وقالت وهي مميلة وشها شوية وبتتكلم بنعومة مقصودة
_ بقولك إيه أنا هقولك على اللي في دماغي .. علي دا أنا شاكه فيه من زمان… من زمان وأنا ملاحظة تصرفاته… طريقته… خروجاته الكتير… وقعدته عالقهاوي بالساعات والسباقات الخطيرة بتاعته … يا جلال دا حتى شكله كدة… مش مظبوط… وأنا عارفة الرجالة الشمال لما بشوفهم…
وقفت تراقب ملامحه… لا حركة… لا رد فعل… لا كلمة… كأنه حجر واقف قدامها.
تنهدت بعمق وكملت بتمثيل الخوف والحزن
_ يا جلال… أنا خايفة عليك… خايفة على بيتك… احنا عندنا ولاد وعلي لو بيعمل حاجات غلط هيفسدهم… أنا مبقتش مرتاحة له من زمان…
اقتربت أكتر، ومدت إيدها لمرفقه بتلمسه بحنان متصنع
_ اسمع كلامي يا جلال… علي دا شكله مش مظبوط … وانت لازم تاخد بالك…
سحبت إيدها بهدوء وهي بتشوفه ثابت مكانه… عينيه معلقة بنقطة في الأرض… تنفسه بطيء وتقيل… ملامحه ميتة… مش باين عليه صدق… ولا كذب… ولا غضب… ولا رضا… كأن كلامها دخل جوه عقله وسكن… بس هل صدقه؟
محدش عارف.
حتى نسيمة نفسها… وهي بتسيبه وتتحرك ناحية الدولاب عشان تغير هدومها… مكانتش عارفة جلال دلوقتي بيفكر في إيه… ولا قلبه رايح ناحية مين… بس كانت واثقة من حاجة واحدة
السم ابتدى يجري…
