الجزء الثاني من الفصل الرابع والعشرون رواية الرقيقة والبربري
كان النيل ينساب كوشاح حريري تحت المركب الواسعة، تتهادى بهدوء في قلب المياه، وأصوات الناس تتناثر من هنا وهناك، ضحكات، وكاميرات تلتقط اللحظات، وشباب في سن المراهقة يضيفون لمسات حيوية للمكان .. كانت الشمس تميل للغروب، تصبغ السماء بلون نحاسيّ خافت، ينعكس على سطح الماء كمرآة ساحرة.
خرج رامي ونور من غرفتهم بعد أن استراحا قليلًا وتناولا الغداء... كانت يده تمسك بيدها، وأصابعها ملتفة حول أصابعه كأنها لا تريد أن تفلت منه أبدًا..سارا ببطء إلى سطح المركب، حيث النسيم عليل، والمشهد يأخذ الأنفاس وقت الغروب
وقفت نور عند طرف السور المعدني، تتأمل صفحة النهر الممتدة بلا نهاية، والبيوت البعيدة تتناثر كأنها حُلم، ثم التفتت إليه
ــ بص على الجمال يا رامي... تحس إن الدنيا كلها حلوة دلوقتي .. سبحان الله!
اقترب منها أكثر، ووضع يده خلف ظهرها، ضامًّا إياها إليه بلطف، وقال وهو ينظر في عينيها
ــ طبعا جميل .. بس الجمال الحقيقي بين ايديا وفي حضني أهو..
ضحكت، ثم دفنت وجهها في كتفه كأنها تهرب من خجلها، وهمست
ــ حاسّة إني في حلم... ومش عايزة أصحى منه.
أحاطها بذراعيه، يحتضنها بصمتٍ طويل، كأنّه يحميها من كلّ ما هو خارج تلك اللحظة، ثم قال بصوتٍ خفيض
ــ عمر الحلم دا ما هينتهي يانور ! ..
تنهدت ليكمل ممازحًا
_ حتى لو هفضل نايم طول عمري عشان مينتهيش ...
رفعت رأسها تنظر إليه، ونظراتها تنطق بكل ما عجزت عنه الكلمات . أمال رأسه قليلًا، وقبّل جبينها برقة...
وخلفهم، كانت الشمس تذوب في صفحة النيل، بينما المركب تمضي، وحبهما يكبر بصمت وحنين.
ــ "وعد؟"
لم يعرف علاما تلمح لتشرح
_ وعد تفضل معايا علطول والحلم الحلو دا متحرمنيش منه وتتغير عليا لما نرجع القاهرة !
قالت لينظر لها رامي في حزن .. هل تشعر حبيبته بألم .. هل تخاف غدره وتقلبه عليها ؟ .. مسك وجهها بين يديه وهو ينظر لها في أمل وتأثر
ــ وعد، لحد آخر العمر... وإنتِ جنبي. .
وساد الصمت بينهما، لا لأن الكلام انتهى، بل لأن القلوب كانت تتحدث بلغةٍ لا تُكتب ..
عادت لتنظر للنيل والسفينة تسري .. بينما هو يحاوط خصرها من الخلف ويشاركها التأمل بينما تسكره رائحتها الجميلة وملمسها الناعم ..
________________________
وفي وقت العشاء ..في الطابق العلوي خصوصًا في مطعم المركب، تحت أضواء خافتة تتمايل مع حركة المياه، جلست نور أمام رامي على طاولة قريبة من السور الزجاجي، والمشهد خلفهما لوحة مفتوحة للنيل الذي لم يتوقف عن الرقص منذ الصباح..
كانت الطاولة مرتّبة بعناية، أطباق صغيرة من المقبلات، وعصير طازج بلون المانجو، وزهرية بها وردة حمراء واحدة. ..نور كانت تضحك بصوت خافت، تميل برأسها بخجل وهي تتهرب من الملعقة التي يمدّها رامي نحوها، وهو يصرّ على إطعامها بنفسه.
ــ افتحي بُقك بقى، ولا لازم أقولك هم يا جمل ؟؟
ابتسمت ليقول _ طب إيه الطيارة جاية تمشي ؟
قالها وهو يقرّب الملعقة منها، ونظرته كلها حب وطفولة بينما يريدها أن تتدلل
ضحكت نور وعينيها الخجولة قالت
_ رامي عيب! فيه ناس حوالينا!
ــ وأنا مالي بيهم؟ خليهم هما يكلوا مع بعض، وإحنا نحب بعض.
قالها وهو يحرك حاجبه بمزاح، ثم أضاف
ــ يلا، خدي المعلقة ديي، تلاقي طعمها سكر زيك
ابتسمت بخجل، وأخذت اللقمة أخيرًا، ثم خبّأت وجهها في كفها وهي ترى نظرات الناس تلتفت حولها من حين لآخر
_حرام عليك أحرجتني
ابتسم وهو يملئ لها من طبق مختلف بينما يستمر في إطعامها باهتمام وحب
_ ولا احراج ولا حاجة .. كُل يا حبيبي بالهنا والشفا
أخذت منه اللقمة وهي تنظر له في حب ثم قالت برقتها المعتادة
_ بتفكرني وأنا صغيرة، بابا كان بيأكلني كده.
ــ بس أنا مش أبوكي ، أنا جوزك… يعني عندي امتيازات أكتر بكتير.
قال رامي بصوته الذي امتزج بالغيرة على سيرة والدها الذي لم يتوقف عن الرن منذ الصباح لكن رامي تجاهله تمامًا وأضافه في قائمة الحظر عند نور دون أن تنتبه حتى لا يشغلهما .. فليموت بقهره هذا ال "رأفت " .. ابتسم بشر وهو يتذكر فعلته بينما يكمل إطعام طفلته الجميلة ..
كانت اللحظة دافئة، ضاحكة، بريئة، ومليئة بشيء من الوله الطفولي، لكن في زاوية قريبة من المطعم، عند طاولة مستطيلة مغطاة بشرشف أبيض أنيق، جلس شاب أجنبي، بملامح أوروبية حادة، شعره أشقر، ولحيته خفيفة ومهندمة.. كان يرتدي قميصًا أبيض مفتوحًا من الأعلى، وساعة سوداء لامعة على معصمه.
ورغم أن صحنه أمامه لم يُمس تقريبًا، إلا أن عينيه لم تتركا نور.
كان يراقبها منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها، نظراته لم تكن مباشرة طوال الوقت، لكنها مليئة بالتمعّن.. كلما ضحكت، اتسعت عيناه، وكلما مالت برأسها إلى رامي، تغيّر في جلسته كأنه شعر بشيء من التململ.
كانت نظراته لا تحمل براءة، بل فضولًا مشوبًا بإعجابٍ لم يحاول إخفاءه، وكأنها خرجت من قصة من احدى الروايات الأسطورية حيث البطلة الرقيقة المفعمة بالحياة والخجل ... نظرته الأخيرة علقت لحظة على رقبتها، ثم على طريقة لعب رامي بخصلات شعرها، وعلى الملعقة التي أعاد ملأها وهو يقول
ــ لسه في واحدة كمان، لو كلتيها هديكي بوسة.
ضحكت نور بصوت أعلى قليلًا، وراحت تمسك بيده كي لا يبالغ، في حين ظلّ الرجل الأجنبي يراقب المشهد، بعينٍ تائهة، بين حسد لا مفر منه… وإعجاب لم يخجل منه.
لكن رامي، دون أن يلتفت له، كان غارقًا في عالمه الصغير مع نور، يلمس أناملها بلطف، ويهمس في أذنها بكلمات لا يسمعها سواها، وكأن الكون كله تلاشى، ولم يتبقَّ سوى عاشقين على سطح نهر، يركبان مركبًا… وفي قلبهما حياة
.png)