الفصل التاسع من رواية الرقيقة والبربري

 الفصل التاسع من رواية الرقيقة والبربري 







كان الوقت عصراً والبيت يغرق في سكون ثقيل.... نور استسلمت للنوم من فرط الإجهاد النفسي ، وعيونها قد أثقلها البكاء ... موقف رامي منها مرة أخرى جعل قلبها يخفق بتوتر وحزن وجعل النوم طريقًا مؤقتًا للهروب من واقِعٍ صعب.


تكوّرت على السرير كطفلة فقدت الأمان... أنفاسها كانت غير منتظمة وكأنها تصارع شيئًا حتى في أحلامها.


أما رامي، فقد عاد من العمل في مزاج أسود، ربطة عنقه مفكوكة تتدلى من رقبته، سترته معلقة على ذراعه، عيناه حادتان من الانزعاج، خطواته تدقّ الأرض بغضب مكتوم.


وقف أمام باب بيته للحظة، زفر بقوة، وفتح الباب دون حماس.


ولج إلى الداخل، سكونٌ غريب يحيط بالمكان، ولا رائحة للطعام، ولا صوت لحركة... ولا حتى همسة.


وبينما يخطو بخطواته الأولى داخل البيت، تذكّر "هيفا"، الموظفة الجديدة التي رافقها بسيارته ظهر اليوم... حتى اسمها أثر فيه !


نظرتها الدهشة، واحمرار خديها، جعل شيئا ما يتحرّك داخله... كانت أنثى جريئة .. مختلفة.. هادئة كنسمة، وكأنها خُلقت لتُربك الرجُل بنظرة.


حتى وهو يوصلها، لم يكن يود أن تنزل، وكأنه يريد بقاء تلك اللحظة أكثر.


لكنه ما إن دخل إلى صالة بيته، حتى تبعثرت كل تلك الصور الجميلة.


الفوضى تملأ المكان... أطباق على الطاولة منذ الإفطار .. غبارٌ واضح على السطح، وكل شيء يصرخ بالإهمال... 


بضيق ألقى سترته على الأريكة وانفجر صوته غاضبًا 


_ نور! إيه المنظر دا ! ؟


لم يردّ أحد فاتجه بخطوات حادة إلى غرفة النوم، والغضب يتصاعد في صدره.


فتح الباب بعنف، وهو يستعد لأن ينهال عليها بالكلمات، لكنه توقّف فجأة.


كانت نور ممددة على السرير، ملامحها متقلّبة، وكأنها تعيش حربًا داخلية... أنفاسها متقطعة، ووجهها مشوّه بالخوف ويصدر عنها تأوهات مكتومة شديدة الرعب وكأنها قطعت نياط قلبها بينما تخرج ..  


_ نور...


نطق اسمها بنبرة منخفضة، يقترب منها ببطء.


شهقت فجأة، ثم بدأت أصواتها تعلو وهي نائمة، وكأنها تهرب من شيء ما.


اقترب منها بسرعة، قلبه انقبض، وصوته قلق 


_ فوقي يا نور... فوقي، أنا رامي.


هزّها بلطف، وفتحت عينيها مفزوعة، دموعها تنهمر، ونظراتها تائهة تبحث عن مأمن....وما إن رأت وجهه، حتى ألقت بنفسها في حضنه بقوة، تمسّكت به وكأنها تنقذ نفسها من الغرق.


_ متسيبنيش... عشان خاطري يا رامي، متسيبنيش.


صوتها كان مكسورًا، يحمل ارتجافة الرعب، والوهن، والاحتياج


_ اهدي... أنا جمبك، إيه اللي حصل؟


شعر رامي بجسدها يرتجف بين يديه، بحرارة أنفاسها المختلطة بالبكاء، وبتلك الرجفة الخفيفة التي تسري في أطرافها. لم يعرف كيف يهدئها، لكنه وجد نفسه يشدّها أكثر إلى صدره، يمسح على شعرها المرتبك برفق، ويمرر أصابعه على ظهرها في حركاتٍ دائرية، كأنها طمأنينة ملموسة.


_ أنا بحبك... أوي... أنا مش قادرة... بس بحبك...


ضمّها إليه أكثر، يربت على ظهرها، والحيرة تملأ عينيه.


_ كنتي بتحلمي؟إيه اللي حصل يا نور؟!


هزّت رأسها دون كلام، واكتفت بالبكاء الصامت.


_ أنا معاكي... مش هسيبك.


هزّت رأسها بالإيجاب، وشهقة مكتومة خرجت من صدرها.


جلس بجوارها، وعيناه تتأملان وجهها المرتبك المرتجف، وجسده المتكوّر كطفلة خائفة.


لم يفهم، لكنه شعر أن هناك ما هو أعمق من مجرد كابوس. أن هذا الخوف يسكنها منذ زمن، وأنه لم يكن يومًا على دراية بحجم ما يثقل صدرها.


ظلّت ملتفة حوله، كما لو أنها لن تتركه أبدًا، ووجهها غارق في دفء صدره، ورامي لا يفعل شيئًا سوى أن يمسح على رأسها، ويترك لها مساحة الأمان التي تحتاجها.


مرّت دقائق طويلة، كانت أنفاسها تهدأ ببطء، ونبضاتها المتسارعة تعود إلى إيقاعها الطبيعي. ومع كل ثانية تمضي، كانت تغرق في نعاسٍ جديد، لكنه مختلف هذه المرة. لم يكن نوم هروب، بل نوم استسلام، كأنها أخيرًا وجدت بقعة أمان في عالمها المضطرب.


وعندما شعر بأنفاسها تهدأ تمامًا، نظر إليها طويلًا، يتأمل تلك الملامح الرقيقة المرهقة، والدموع التي تركت أثرها على وجنتيها. مدّ يده ومسحها بلطف، ثم تسائل بصوت خافت لا يدري إن كانت تسمعه 


_ في إيه يا نور ؟ في إيه ! تعبتيني معاكي .... 


________________________________


استفاقت نور فجأة، أنفاسها تتلاحق، وجسدها مبلل بالعرق البارد ...رفعت رأسها ببطء، تتحسس الوسادة إلى جوارها، فلم تجده.


نهضت من السرير بخفة، وكأن الأرض قد تتحطم تحت قدميها فضغطت عليها برفق . 


خرجت من الغرفة متسللة، تتبع بصيص الضوء المنبعث من شاشة التلفاز الكبيرة  في الصالة الواسعة .. كان رامي يجلس على الأريكة، متكئًا بظهره، سيجارة مشتعلة بين أصابعه، وعيناه تتابعان الشاشة دون اكتراث حقيقي.


ترددت نور لحظة عند الباب، ثم رفعت خصلة شعرها المرتجفة خلف أذنها بخجل، وتقدّمت خطوة.


_ رامي...


استدار ببطء، عيناه تلمعان تحت الضوء الشاحب، نظر إليها لثانية طويلة، ثم قال دون أن يغيّر نبرة صوته 


_ صحيتِ؟


_ آه....


لم يُجِب على الفور، فقط لف السيجارة بين أصابعه ونظر لها وكأنه ينظر لشيء بعيد.


_ كنتي بتنهجي... بتحلمي بإيه بقى؟


توترت نور ثم قالت في تردد 


_ مش فاكرة... بس كنت مرعوبة، حسيت إني مش قادرة أتنفس.


زم شفتيه قليلًا، ثم نفث الدخان في الهواء أمامه.


_ هو كل مرة يحصل بينا حاجة... تصحي مفزوعة كده وتعمليها كابوس .. بتمثلي عشان مقربلكيش ؟


ارتبكت نور، نظرت إلى الأرض، وجسدها ينكمش وكأنها تحاول الاحتماء من كلماته.


_ لا والله... أنا فعلاً حلمت بحاجة وحشة... مش بكدب يا رامي ، مش قصدي والله 


اقتربت وجلست على طرف الأريكة، يداها متشابكتان، وصوتها منخفض كأنها تخشى أن ينكسر.


_ أنا آسفة...


رمقها بنظرة طويلة، فيها شيء غامض، شيء يوحي ببرودٍ خفي.


_ آسفة على إيه؟


_ على أي حاجة... على إني مضايقاك... على إني.. مش بعملك الحاجات إللي أنت عاوزها ! 


نظر أمامه مرة أخرى


_ أنا قلت إني عايز حاجة؟


سكتت، خفضت عينيها أكثر، وابتعلت دمعة حبيسة.


ثم وقف فجأة، دون إنذار، وتوجه نحو المطبخ.


تركت رأسها تنحني للأمام، وعيناها تغرورقان...


ارتطم شيء بظهر رامي من الخلف.


يداها الصغيرتان أحاطتا خصره من الخلف، ووجهها سندته فوق ظهره، كأنها تستند عليه لتلتقط أنفاسها من كابوس ما زال يُطارِدها.


نفخ دخانًا كثيفًا من سيجارته، وعيناه نصف مغمضتين ، لكنه لم يتفاجأ، بل ابتسم بخبث خافت، كأنها قطعة حلوى اعتادت أن تُقدَّم له في الوقت الذي يشاء.


_ إيه يا نور... جيالي ليه مش بتخافي مني بردو؟


لم تُجبه، فقط ضمته أكثر، وخدها يضغط على ظهره، وفي قلبها ألف كلمة لا تجد الجرأة لتُقال.


كان صدرها يعلو ويهبط من التوتر، ويدها تتحرك بخفة فوق قميصه، تلمسه وكأنها تستعطفه دون صوت.


_ بتصالحيني؟


سألها وهو يلف جسده ببطء، حتى صار يواجهها تمامًا. عيناها هربتا إلى الأرض، وشعرها انزلق أمام وجهها فأعادته بخجل خلف أذنها، كعادتها كلما ارتبكت.


_ تعالي بقى...


فاجأها حين لف جسده نحوها فجأة، وانحنى ليحملها بذراعيه....شهقت بخفة، وعلت ابتسامة مترددة على وجهها، لكن قلبها ظل يخفق بتوتر، لا تدري ما إن كان من الرغبة في إرضائه، أم من القلق المستقر في صدرها ..


رفعها بخفة، ووضعها فوق الرخامة الباردة في المطبخ، ووقف أمامها يحدق في عينيها، يقترب منها أكثر مما اعتادت، أكثر مما ترتاح..... مد يده بهدوء نحو علبة السجائر، وأخرج واحدة، ثم ناولها لها.


_ دخني...


قالها بصوته الخفيض ونظراته التي كانت تتسلل إلى داخلها، فيها جرأة دائمًا ما عهدتها منه ، ونبرة أشبه بالتحدي.


_ لا... مش بعرف.


_ ما هو أنا اللي هعلمك... لو ناوية تصالحيني، يبقى يلا... ولا عيزاني أفضل زعلان منك ويمكن أزعل أكتر كمان 


_ لأ متزعلش مني !


اندفعت قائلة وهي تضع يدها على كتفه لينظر لها بثقة فابتلعت ماء حلقها وهي تعرف أنها أمام لحظة لابد أن ترضيه فيها .. 


ترددت، ثم مدت يدها وأخذت السيجارة بأصابع مرتعشة... أشعلها لها، وظل ممسكًا بالولاعة قريبة من طرفها وهو يراقبها بنظرة كلها خبث وإغراء.


_ نفس... خدّي نفس صغير.


ترددت، عينيها تائهتان بين السيجارة ووجهه، ثم نفذت في النهاية 


_ كده .. أيوة حلو أوي ، حطيها على شفايفك.


أطاعت، لكن ما إن دخل الدخان حلقها حتى كحت بقوة، وغطت فمها بكفها. ...ضحك هو، اقترب منها أكثر حتى صار بين ساقيها، يداه ترتكزان بجانبها على الرخامة، وهمس


_ ناعم قوي... زيك.


ثم أمسك يدها من جديد، وقرب السيجارة من فمها 


_ تاني... بس المرة دي بالراحة، وأنا جنبك أهو متخافيش


نظرت له بعينين مضطربتين، تحاول قراءة نيّته، لكنه كان كعادته، عينيه لا تقول سوى ما يرغب أن تفهمه دون كلمات... كررت المحاولة، ببطء، وكأنها تدخل عالماً جديدًا لا يشبهها، لكنه يشبهه... ويأسرها.


بين كل نفَس يتنفسه رامي وكل ونظرة، كانت نور تغرق أكثر... لا تدري مالذي يحدث فيها إلا أن رامي يغلب كل شيئ فيها ويفوز هو ... يجعل مشاعرها أقرب إلى الرغبة، وإلى الضعف أمام رجل يعرف كيف يأخذ ما يريد.


وظل رامي واقفًا، مبتسمًا، مستمتعًا بتحوّل البراءة إلى خطوة أولى في طريق لم تعرفه من قبل.


لكنها توقفت بعد أول مرة وطال انتظار أن تجرب ثانية فأخذ منها السجارة قائلاً بحزن مصطنع  


_ شكلك مالكيش فيها 


_ لا ليا !  


قالت باندفاع ثم أغمضت عينيها نادمة على ما تفوهت به فكتم ابتسامته ثم قال 


_ طب فتحي وبصيلي .. التخدين بيبقى كدة 


فتحت نور عينيها فثبت العالم من حولها ولم يتحرك إلا دخانه وشفتيه التي تحتضن عقب السيجارة في شغف غريب ... 


بعيون خبيثة رصد تأثره عليها فنفث دخانه هذه المرة في وجهها لتسعل ثانية وتحمر عينيها وتدمع بطريقة لم ينكر أنها كانت لطيفة ... لطيفة بشكل مثير ! 


_ قولتلك مالكيش فيها 


قال بنظرات متحدية انساقت لها وهي تقول كطفلة عنيدة 


_ وأنا قولتلك ليا 

ثم أخذت السيجارة من يده المرتعشة قليلًا من الترقب، رفعتها بخجل، وحاولت أن تأخذ نفسًا كما فعل، لكنه كان أكثر مما تحتمل.


_ شد يا غزال 


ابتسمت اختنقت، وخرجت عنها ضحكات مشوبة بالسعال العالي، متقطعة، كأن جسدها يرفض هذا التمرّد المفاجئ... 


_ خلاص مش نافعة .. مش جاي منك صياعة 


رغم سعالها إلا أنها ضحكت على ردة فعله بعدما قهقه ساخرًا ثم اقترب منها وشد خصرها نحوه بينما مازالت فوق الرخامة 


_ جاي منك رقة يا رقيق أنت يا حلو .. 


ضحكت بخجل فرفع عنها خصلات شعرها ودون أن يدري توقف أمام عينيها للحظات .. غريب ! لم يدرك كثافة أهدابها من قبل .. أهدابها الكثيفة الطويلة جعلت عينيها تبدو كينبوع ماء صافي وسط غابة .. 


_ إيه الحلم إللي حلمتيه ؟


وجد نفسه بنبرة حانية يسأل فتأوهت نور في ألم أثر فيه قبل أن تقول 


_ حلمت ان أنا في مكان ضلمة وأنا مش بحب الضلمة 


صمت يعيد ما قالت على ذهنه ويتأملها .. لكنها بدت صادقة فاقترب منها في لين يسأل 



_ للدرجادي بتخافي من الضلمة ؟ 


هزت رأسها بملامحها ذات التعبيرات التي تدل على مدى ضعف حالها الآن فابتسم ابتسامة بثت فيها الاطمئنان ثم ضمها لصدره وأخذها في عناق طويل 


تمسكت فيه بقوة وكأنه منقذها وأمانها وبعد لحظات انفصل العناق ليسأل وهو يحطيط وجهها بين كفيه


_ أحسن ؟


هزت رأسها مبتسمة فبادلها الابتسام ثم بدى على وجهه التردد قبل أن يتكلم برفق


_ نور .. هو أنا عارف إنه مش وقته بس شوفتي موضوع الأرض؟


_ أرض إيه؟


سألت ليقول 


_ الأرض يا حبيبتي بتاعة مامتك الله يرحمها 


هزت رأسها وتذكرت لتقول 


_ أيوة يا حبيبي أنا آسفة والله كنت نسيت علشان الحجات إللي حصلت بنا كانت مزعلاني .. 


_ حصل خير 


قال لتكمل في حماس 


_ بس هكلم بابي هو أصلا عاوزنا نروح عنده نقضي يومين .. 


شعر رامي بالذعر قبل أن يقول 


_ لا لا نروح فين .. ما تخلينا هنا في بيتنا يا حبيبتي 


_ لأ بيت بابي وحشني عازة أروح أوي ومروحناش من زمان 


قالت ليشعر بالتوتر فهو لا يحب بيت حماه الذي لا يلقى فيه إلا المشاحنات .. لكنه على كل حال تأفأف وقرص وجنتها قائلاً


_ عشان خاطرك أنتي بس يا نونو 


تهللت أسراريها وارتمت في حضنه 


_ ربنا يخليك ليا يا رومي ... 


بادلها الحضن وهو يحاول أن يداري امتعاضه وضيقه من زيارتهم لوالدها ... والدها الذي يجعل حياته جحيم حقيقي . 


________________________________


كان الوقت يمر ببطء في الشركة والضغط لا يهدأ...


الموظفون يتنقلون بين المكاتب، وأصوات الطابعات والهواتف تملأ المكان كأنها إيقاع رتيب يتكرر كل يوم... 


لما يأتي فارس ولا حتى مصطفى إلى الشركة اليوم فوقع كل الضغط على رأس رامي حتى شعر أنه  سينفجر .. لا يستطيع أن يركز بالشكل الكافي فكوابيس نور كانت كثيرة للأسف وينهر نفسه لأنه لم يلاحظها من قبل بسبب غيابه الدائم عن البيت .. يكتشف أشياء جديدة فيها كل يوم .. أشياء أسوء تذيد حياته كئابه !   بكن شيى في قلبه يتعاطف معاها .. يحنو عليها ويريد أن يفهم ماهي مشكلتها بالتحديد .. 


كان جالسًا داخل مكتبه، يمرر يده فوق شعره بتعب، وهو يتابع تقارير متراكمة لا تنتهي.


لم يكن وحده، كانت "هيفا" أيضًا في الجوار، تراجع ملفات قسمها الجديد بهدوء وثقة، ترفع عينيها بين الحين والآخر لتراقب تعابيره المتوترة.


اقتربت من مكتبه، ووقفت بخفة دون أن تطرق، وكأن وجودها صار مألوفًا رغم حداثته.


_ تحب أراجع الشغل دا مع حضرتك؟


رفع عينيه إليها، لم تكن ترتدي شيئًا مبهرجًا، ولكن أناقتها الناعمة وطريقتها الهادئة جعلتها تبدو مختلفة عن كل من عرف... فقال فجأة وهو ينظر إليها كأنها سقطت عليه من السماء 


_ تعالي نقعد في البريك نشرب حاجة، ونتكلم في الشغل هناك.


ابتسمت بخجل لطيف، وهزّت رأسها موافقة.


في الكافيتريا الصغيرة التابعة للمبنى، جلسا سويًا على طاولة عند النافذة.... أشعة الشمس كانت تميل على وجهها تعكس دفئًا خافتًا على ملامحها... 


يتحدثون في عدة أشياء حتى قال رامي 


_ بس بيتكم حلو على فكرة .. متوقعتش كدة 


ردت بابتسامة ثقة 


_ ليه مش باين من شكلي ! 


ضحك وقال 


_ بس يعني .. متوقعتش تكوني عايشة في بيت زي دا وتشتغلي وظيفة زي دي ... شغلها متعب أوي .. كمان معندكيش عربية .. استغربت بصراحة ! 


تنهدت ثم وضحت 


_ على فكرة يا مستر رامي... أنا مشتغلتش عشان الفلوس وأكيد عندي عربية بس مش بحب اركبها لأنها مش من فلوسي ! 


رمقها بدهشة صامتة.


_ أنا عشت طفولة وحياة متدلعة جدا وروحت وجيت وسافرت وعشت كمان برا لسنين ... بس كنت دايمًا بحس إن الاعتماد على النفس أهم من أي رفاهية ... ولو كنت عاوزة اشتغل في شركة بابي كنت اشتغلت .. بس عاوزة أبدأ في مكان تاني 


أكملت بابتسامة متزنة 


_ عشان كده، قررت أشتغل حتى لو مكنتش مضطرة..... بحب أحس إني بعمل حاجة لنفسي ، مش لحد تاني.


ظل ينظر إليها، وكأنها تقول شيئًا لم يسمعه من قبل... تماسكها، كبرياؤها اللطيف، قدرتها على الحكي بثقة، كلها أمور أخذته إلى مقارنة غير مقصودة... وجد نفسه يفكر في "نور"... زوجته، التي بالكاد تخرج من عتبة البيت، والتي دائماً ما تتردد، خائفة، متخبطة.


"هيفا" كانت عكسها تمامًا. فتاة قوية، تعرف ما تريد، وتذهب إليه بخطى ثابتة.


_ واضح إنك مش بس جميلة..دي عندك دماغ جامدة .


ضحكت بخفة وهي تحرّك المعلقة داخل الكوب.


_ دا أحسن Compliment سمعته النهاردة...


_ ومش النهاردة بس.. 


قالها وهو يرتشف قهوته وينظر داخل عينيها بطريقة توحي بمشاعر داخله لتبادله النظرة بلا خوف ليغيب عقله في مكان آخر وسأل نفسه في صمت


"هو إزاي الفرق كبير أوي كدة ؟ "


_____________________


كانت تجلس أمام الهاتف ترتب طرحتها وتفتح مكالمة الفيديو بكل تركيز ... سرعان ما ظهرت وجه المعلمة على الشاشة، تلك المرأة الهادئة التي تحمل دومًا ملامح أمينة وقلبًا رحيمًا.


ابتسمت نور بخجل ، وقالت وهي تنظر في المصحف المفتوح أمامها 


_ أنا جاهزة يا معلمتي، نبدأ من أول الصفحة؟


_ يلا يا حبيبتي، سمعيني.


بدأت نور في التلاوة بصوت خافت مرتجف في البداية، ثم ما لبث أن اتزن .... كانت تهمس بالآيات وكأنها تُلقي بقلبها فيها، لكن عينَي معلمتها لاحظتا شيئًا آخر... نظرة الحزن التي لم تكن لتغيب.


وحين أنهت نور، ابتسمت المعلمة برفق وقالت 


_ ما شاء الله، تلاوتك حلوة، بس صوتك فيه غصة... مالك يا نور ؟


ترددت نور لكنها شعرت بأنها تريد أن تفتح قلبها لشخص ما علها ترتاح قليلاً 


_ مفيش والله، بس يمكن زهقانة شوية... بحس إني محبوسة، ومفيش جديد.


تأملت المعلمة ملامحها ثم قالت بنبرة حانية 


_ بصي، أنا عندي فكرة... إيه رأيك تروحي تتطوعي في دار مسنين للسيدات ؟ أنا أعرف ناس هناك محتاجين حد زيك... رقيقة وحنونة وكلامك يطبطب على قلوبهم.


نور فتحت عينيها بدهشة طفولية، ثم ابتسمت بسعادة 


_ بجد؟ ينفع أروح؟ دا هيبقى حلو أوي... حسيت قلبي دق لما قزلتي!


ضحكت المعلمة وقالت 


_ ينفع طبعًا يا قلبي، شوفي بس جوزك هيقولك إيه، ولو وافق، أنا هرتبلك كل حاجة.


نور قالت بحماس طفولي وهي تقرب وشها من الشاشة 


_ هسأله أول ما يرجع لا دا أنا هروح اكلمه حالا !!


نظرت المعلمة لها بحنان عميق، وحدّقت فيها لثوانٍ بصمتٍ مفعم بالمحبة، ثم تمتمت في نفسها دون أن تسمعها نور 


"سبحان الله... قد إيه البنت دي جميلة، وجواها نور بجد."  


أغلقت نور المكالمة، ونبضها يعلو من شدة الحماس. التقطت هاتفها واتجهت إلى جهة الاتصال المألوفة...

أصابعها تتحرك بسرعة، وكأن القلب نفسه هو من يطلب الرقم....الهاتف يرن.


وفي مكانٍ آخر، كان رامي يجلس خلف عجلة القيادة، في طريق ضيق تحيطه الأشجار، والجو يتسلل منه دفء المساء. بجواره كانت "هيفا"، تضحك على شيء قاله، تلمس شعرها بخفة، ورائحة عطرها تملأ السيارة.


قالت وهي تميل برأسها عليه قليلًا 


_شكرًا إنك وصلتني تاني .. يارب مكونش بتقل عليك كفاية عليك باقي الناس 


ابتسم رامي، ونظر إليها طويلًا ثم همس بنبرة عميق


_ انتي مش زي باقي الناس 


نظرت إليه "هيفا"، فارتفع رنين هاتفه فقالت بهدوء 


_ طيب رد ، تليفونك بيرن من شوية.


رفع الهاتف بنظرة كسولة، لم يكن يريد حتى أن يرى الاسم... لكن حين لمح على الشاشة "نور"، انعقد حاجباه بامتعاض، ونفَس غليظ خرج من صدره.


_ سيبيه... مش مهم دلوقتي.


ثم مال ببطء نحو "هيفا"، ونظر في عينيها نظرة طويلة. لم تبعد هي، ولم تعترض، بل بادرت بابتسامة خجولة قبل أن تميل نحوه، ليحدث ما لا يجب أن يحدث.


قبّلت شفتيه، ولم يتراجع.... بل بادلها، كأن نور لم تكن، كأن البيت وفوضاه وتعب الأيام لم يكن.. كأن خوفها واحتمائها داخل صدره لم يكن 


في هذه اللحظة كانت نور على الناحية الأخرى ، تمسك الهاتف بقلب متوتر، تبتسم كلما رن، ثم تذبل ملامشحها حين لا يُجاب.


_رد بقى... عايزة أقولك... 


ضغطت على إعادة الاتصال مرة أخرى، ثم جلست على الأريكة تنتظر، تحاول أن تُسكِت قلبها، بينما الدموع تُنذر أن تتسلل من زوايا عينيها.


ورامي... كان ما يزال يُنزل "هيفا" من السيارة، وهي تبتسم وتودّعه ، بينما الهاتف يُنير باسمها مرة أخرى، ويختار هو أن يُغلق الشاشة، دون حتى أن ينظر فيها.


____________________________


نهاية الفصل .. 

رامي دا راجل واطي . 

متنسوش تسألوا على عرض الروايات سعرهم ٨٠ جنية ! 

التواصل وتساب على رقم 01098656097 



إرسال تعليق

الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
”نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.“
لا يتوفر اتصال بالإنترنت!
”يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت ، يرجى التحقق من اتصالك بالإنترنت والمحاولة مرة أخرى.“
تم الكشف عن مانع الإعلانات!
”لقد اكتشفنا أنك تستخدم مكونًا إضافيًا لحظر الإعلانات في متصفحك.
تُستخدم العائدات التي نحققها من الإعلانات لإدارة موقع الويب هذا ، ونطلب منك إدراج موقعنا في القائمة البيضاء في المكون الإضافي لحظر الإعلانات.“
Site is Blocked
Sorry! This site is not available in your country.