"الفصل الثلاثون بعد المائة من رواية عشق أولاد الزوات ١٣٠"
كان زين الدين يمشي بخطوات ثقيلة وكأن الأرض تسحبه إلى الأسفل مع كل خطوة. خرج من منزل رنيم وهو يشعر بمرارة الخسارة التي لم يكن يتوقعها يومًا. لم يكن مجرد خسارة أموال أو ممتلكات، بل كانت خسارة أعظم من ذلك بكثير — خسارة كرامته وكبريائه الذي كان يبني عليه شخصيته طوال حياته.
لطالما اعتبر زين الدين نفسه فوق الجميع، ينظر إلى الناس من أعلى، وخاصة رنيم التي لم يرَ فيها سوى خادمة بسيطة، امرأة لم يكن يستحق حتى أن ينظر إليها. كان يحتقرها، يسخر منها، ويعتبرها "كلبة فلوس" تطارد ثروات ابنه. لكنه الآن يقف في موقف لم يتخيله يومًا؛ أن تكون تلك المرأة البسيطة التي طالما ازدرى وجودها هي نفسها التي كسرت كبرياءه وسلبته كل شيء.
شعر زين الدين بذل لا يوصف، إذ لم يكن الأمر متعلقًا فقط بنقل الأملاك، بل كان انتقالًا لسلطة النفس والقوة. أصبحت هي الآن المسيطرة، صاحبة القرار، بينما هو يقف خاسرًا، ضعيفًا، بلا حول ولا قوة. نظر إلى يديه، تلك اليدين اللتين طالما اعتادتا على الإمساك بزمام الأمور، أصبحتا الآن فارغتين، بلا قيمة.
داخل صدره، كان قلبه يغلي بغضب مكتوم، شعور بالعجز يطارده كظل لا يفارقه. أراد أن يصرخ، أن يعبر عن غضبه، لكنه لم يجد سوى الصمت كرفيق له، فهو يعلم أن أي محاولة للتمرد أو الرفض ستُقابل بتهديدات فواز التي حاصرته وأجبرته على الرضوخ. كان يشعر وكأن الحبال تشد على عنقه، تمنعه من التنفس، ومن التصرف كما اعتاد أن يفعل.
ذكريات كلماته القاسية لرنيم، وتلك اللحظات التي كان يعاملها فيها بازدراء، عادت لتحاصره. كيف لتلك الفتاة البسيطة أن تهزمه في لعبته الخاصة؟ كيف تمكنت من انتزاع كل شيء منه وهو الذي ظن نفسه لا يُقهر؟ كان يشعر بأن كرامته تُداس تحت أقدام رنيم، وكأن كل ابتسامة انتصار منها كانت طعنة جديدة في قلبه المتعجرف.
لم يكن زين الدين فقط منكسراً أمام رنيم، بل أمام نفسه أيضًا. كيف لرجل اعتاد السيطرة والسطوة أن يجد نفسه في موقف الضعف والمهانة أمام امرأة كانت مجرد "خادمة" في عينيه؟ كل شيء كان ينهار أمامه، ليس فقط بسبب الأملاك، بل لأنه أدرك في تلك اللحظة كم كان مغرورًا وعاجزًا عن رؤية الحقيقة.
كانت تلك الخسارة هي الأكبر في حياته، ولم يكن يعلم كيف يمكنه التعافي منها. كانت عينيه تلمعان بالحزن والغضب، لكنه لم يكن هناك شيء ليعيد ما فقده. كان يدرك أن تلك اللحظة ستظل تطارده، وأن خياله سيظل ممتلئًا بصورته وهو منكس الرأس أمام رنيم، البنت التي احتقرها يومًا، وأثبتت له أنها كانت الأقوى.
تلك اللحظة لم تكن مجرد هزيمة لزين الدين، بل كانت انكسارًا لرجل ظن أنه لن يُهزم أبدًا. كانت خسارته في هذه المعركة تعني أنه فقد كل شيء، ولم يبقَ له سوى العيش مع حقيقة أنه خسر أمام رنيم، وأنها كانت أقوى منه، حتى وهو في أوج قوته... لكنه لن يستسلم ولن تخور قواه ...
_ احم فواز باشا .. إحنا هنروح إزاي!
سأل المحامي بينما نظر للحارة الشعبية من حوله وقد أتوا جميعا في سيارة فواز الذي ترك مفاتيحه في الأعلى بين يدي رنيم ليخرج زين الدين من شروده ثم نظر لفواز
_ ثبتت الباشا فوق !
ليجيبه الآخر راميًا عليه نظرة بطرف عينيه
_ إحنا إللي بدأنا
_ عاجبك فيها إيه الفِشلة دي !
هدر زين الدين في غيظ ليجيبه فواز بسرعة مدافعًا عنها
_ متقولش عليها كدة رنيم أحلى ست في الدنيا
_ جتك القرف حتى ذوقك هباب
_ بردو بتغلط فيها
_ متغيظنيش يابني أنا فيا إللي مكفيني ! أنا الود ودي أطلع أقتلها
اهتاج فواز على مكابرة والده ليقترب منه مندفعًا
_ تبقى تتجرء كدة وتقربلها
_ والله عال ياسي فواز ناقص تاخد أبوك قلمين
شعر المحامي بتقلبات وجه زين المؤلمة ليتدخل
_ زين باشا اهدى ..
_ بلا اهدى بلا زفت أتصلي بفايز ييجي ياخدني يروحني من المكان الزبالة دا
هتف زين الدين وبقى فواز على حالته لا ينظر لوالده ولا لأي أحد وعقله منشغل بما حدث في الأعلى ورغم كل ما حدث إلا أن أرتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه بينما يتذكر أن محمود قد طلقها لكن في ذات الوقت أكلته الغيرة والألم بينما تخبره أن هناك عدة لابد ! ليتمنى لو أنها تكذب عليه ويكون قولها جزء من انتقامها...
______
في لحظة دافئة على شرفة المنزل المطلة على النيل في بيت الزمالك الذي نقلوا إليه ، يجلس فايز بجانب ريم يتناولان عشاءً بسيطًا، وسط ضحكات وأحاديث تحمل الكثير من الحب والمشاعر. بينهما كان الهاتف يرن بشكل متكرر، لكن فايز لم يكترث، مشغولًا بالتفرغ لريم والتعبير عن حبه العميق لها.
_ فايز تليفونك!
تقول ريم بابتسامة صغيرة، مشيرة إلى الهاتف الذي يرن بجانبهم.
يرد فايز بابتسامة غير مبالية إلا بها
_ سيبيه سيبيه، مش مهم دلوقتي.
ثم يقترب منها أكثر ويمد يده ليطعمها قطعة من الطعام
_كلي دي كمان، لازم تأكلي عشان صحتك وصحة النونو.
تبتسم ريم برقة، وتتناول اللقمة من يده بينما تقول
_ خلاص بقى يا فايز.
فايز يضحك بحنان
_خلاص إيه! يلا يلا عشان النونو ييجي كويس!
في إشارة لطيفة إلى حملها.
تنظر ريم إليه بمحبة وتقول
_فايز... هو لو طلعوا توأم هتعمل إيه؟
يتظاهر فايز بالضيق بينما يرفع حاجبيه بتمثيل
_هزعل أوي!
تستغرب ريم وتسأله _ليه؟
يضحك فايز بمرح ويقول
_هنتحسد يا حبيبتي، الناس هتفكرنا خارقين! ..
ضحكت ريم وهي تهز رأسها وتقول
_بحبك يا فايز
فايز ينظر إليها بعينين مليئتين بالعشق، ويقترب منها أكثر، يقبل جبينها ويقول
_بحبك وبعشقك وبموت فيكي. بحب كل حاجة فيكي، كل تفصيلة.
ثم ذاد اقترابه وهمس بنبرة حميمية
_ والوشم يا ريم... بقى دا مكان تعملي فيه وشم!
خبأت ريم نفسها في عنقه هاتفة بخجل
_ كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة.
فايز يرد بابتسامة ساخرة
_قصدك صغيرة وصايعة!
ضحكت ريم وضربته بخفة على كتفه
_ بس بقى
التقط فايز يدها بحنان ورفعها لشفتيه يقبلها
_ المهم إنك دلوقتي ست محترمة.
ابتعدت عنه إنشًا وتظاهرت بالجدية بينما تقول
_ مين قالك كدة؟ أنا لسة صايعة زي منا.
تلك الجريئة التي فاجئته وكلما يذداد قربا منها يتفاجئ أكثر بها ليوبخ نفسه كل يوم على كل لحظة أضاعها لم يكن قريب منها فيها. .. أغرته حركاتها ونظراتها فاقترب منها فايز وهمس
_ إيه دا فين دا .. مش شايف حاجة يعني
_ عايز تشوف .. طب مش هوريك
قالت ريم بمشاكسة بينما تتلامس أنوفهم ليذيد هو اقترابه حتى وصل لشفتيها يلتقطهم في لحظة خاطفة قائلاً بهيمنة
_ كدة كدة هشوف غصب عنك
ثم بدأوا في الليلة التي جمعت قلبيهما، متناسيين العالم من حولهم، مكتفين بحبهم وأحاديثهم الصغيرة التي تحمل في طياتها أعمق المشاعر....
أما على الجانب الآخر قد ملوا من محاولة الوصول لفايز ليهتفوا في نفاذ صبر
_ مبيردش !
_ الحيوان .
هتف بها زين الدين ثم حاول السيطرة على نفسه قائلاً
_ اتصل بفوزي !
في إحدى زوايا المنزل الهادئة في المكتب الذي أعده فوزي لها خصيصا للمذاكرة متوفر فيه كل ما تحتاج ليساعدها على الدراسة من كتب ومجسمات وعدة ، جلست ريهام، منهمكة في مذاكرتها، بطنها المنتفخة بحملها يضيف لمسة خاصة لجمالها، كانت ملامحها تتلألأ بتعبيرات الرغبة في النجاح والحب معًا. شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، وملابسها البسيطة التي ارتدتها بكل عفوية جعلت شكلها يبدو مغريًا ورائعًا. بينما كانت تقرأ بتعمق، لم تنتبه لوصول فوزي، الذي وقف عند الباب يراقبها بابتسامة واسعة، عيناه تلمعان بالإعجاب.
اقترب منها بخطوات هادئة، وعندما لاحظ تركيزها الشديد، قرر أن يشاكسها قليلاً فنزل حيث أذنها وهمس
_ماتيجي أذاكرلك تشريح؟
رفعت ريهام رأسها في خضة ثم نظرت إليه بضحكة خفيفة
_وانت تفهم ايه فيه؟
جلس بجانبها حتى التصق بها وتصنع الجدية لكن صوته خرج خبيثًا موحيًا
_ مش بشرحك كل يوم؟ دا أنا بقيت خبير تشريح.
ضحكت ريهام في خجل وهزت رأسها بلا تصديق، ثم حاولت العودة إلى مذاكرتها
_ اوعى وسيبني أكمل مذاكرة، مش هتبقى أنت وبنتك عليا.
فوزي، غير رادع ومصرّ على مزاحه، ابتسم وقال وهو يلمس بطنها بلطف
_بنتي! يارب تطلع شبهك، يارب.
ارتفع رنين هاتفه لكن لم يعيره الإثنين اهتمام ورفعت ريهام حاجبيها بابتسامة دافئة وقالت بينما تتأمل ملامح حبيبها عن قرب
_لأ، عوزاها شبهك. أنت أحلى مني.
فوزي قاطعها بنبرة جادة وعينه لا تزالان تنظران إليها بحب
_ أنا؟ دا انتي الجمال كله. انتي تعريف الرقة والحب والفتنة.
شعرت ريهام بالخجل وابتسمت بخفة كأنه يدغدغ أنوثتها ، ثم قالت
_فوزي...
رد فوزي بسرعة، مقاطعًا إياها برفق بينما يميل عليها في رفق
_عيونه.
كانت انتبهت ريهام لصوت الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين فقالت
_ رد !
لكن فوزي ابتسم بتلاعب وأغلق الهاتف دون أن يرى من المتصل ثم رمى كتابها لتشهق ريهام وهي تعرف القادم قبل أن يلتقط شفتيها في قبلة اشتاق الإثنان إليها
_ على جثتي يا حبيبتي !
فوزي اقترب منها أكثر، يداعب خصلات شعرها برفق، محاولًا أن يتسلل إلى عالمها الصغير الذي تقضي فيه ساعات طويلة بين الكتب والملاحظات ليسرق لهما لحظات خاصة جدا بين كل هذه الدراسات . لم يكن فوزي فقط زوجًا داعمًا، بل كان أيضًا صديقًا وشريكًا في كل لحظة، يشاركها مشاعرها وتفاصيل حياتها الصغيرة، ويمدها بالطاقة والحب اللذين تحتاجهما لتجاوز صعوبات الدراسة والحمل معًا.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك شيء أهم بالنسبة لفوزي من أن يبقى بجانب ريهام، يسندها ويمنحها الدفء الذي تحتاجه، مشبعًا كل لحظة معًا بمزيد من الحب والاهتمام الذي لا ينتهي....
_ مبيردش هو كمان
هنا اهتاج زين الدين هادرًا باحتقار بينما مازالوا يقفون على أول الشارع فرجة لكل من هب ودب
_ منا لو كنت مخلف رجالة مكانش هيبقى دا حالي بس هقول ايه مخلف شوية صيع
كان حديثه موجه لفواز لكنه كان في عالم آخر يحاول الوصول لعقل رنيم ليعرف ماهي خطوتها القادمة ويستعد لها .. لكن أيا كان ما ستفعله .. سيمنحها إياه دون تردد ! .. هو يعلم ما فعل بالتحديد .. عندما يتذكر ذلك اليوم الذي ضربها فيه بعنف وقسوة .. تلك الكلمات التي أسمعها إياها وكف هيام الذي سقط على وجهها ليهينها ويقضي عليها كأنثى كُسرت أمام رجلها... أغمض عينيه يشعر بالكره والإحتقار تجاه نفسه لقد سقاها من كل أنواع العذاب وآخر ما حدث كان بمثابة كارثة ... الزنى ! جريمة الإغتصاب ! لو قتلته لن يكون ذلك وافيًا .. رأى في عينيها الألم والخذلان ، رأى مشاعر الكره والنفور .. هو الذي لم يرى في عينيها إلا كل حب وطاعة .. لم تتمرد عليه يومًا ودومًا كانت رهن إشارة من يديه ... طوال حياتها لم تتلقى منه ما تستحق ورغم ذلك تحملت لأنها تحبه .. تحملت لأنها لا تستطيع العيش بدونه .. وهو تكبر وتجبر عليها يذيقها أكثر ويذيدها أكثر ... وها هي الآن تتمرد لأول مرة .. تقف أمامه بعد سنين عمرها التي ضاعت في طاعته حتى نست كرامتها وحياتها من أجله ... كانت مستعدة لتقديم كل شيئ .. لكنه مع أول اختبار سقط .. مع أول اختبار وقع وأوقعها معه في الجحيم ... كان في حضن أخرى ولم يتأثر حبها له .. كانت في السر وتحملت من أجله ومن أجل حبها له .. لكنه لم يتحمل شيئ من أجلها البتة ! ليقرر فواز أن أيًا كان ما ستفعله .. سيتحمله .. وقد جاء دوره في تذوق ما عاش عمره كله يذيقها إياه تحت اسم الحب . الحب المسموم !
__
_نهاية الفصل____
ريم هي كمان حامل .. 😭😂❤️
وزين محدش معبره خالص .. ماهو لو جات الست يغور الراجل 😀😂😂
المهم أنا نفسيتي عايزة تروح تقعد مع فايز وريم بالذات في البلكونة اللي فوق النيل دي..
وخلي ريهام محبوسة في الكتب والمذاكرة 😃
.png)