الفصل المائة وتسعة من رواية عشق أولاد الزوات ١٠٩
______
بعد زواج رنيم من آخر، كان فواز يعيش في دوامة من الأحاسيس المتضاربة. كانت الغرفة هادئة من حوله، لكن عواصف الأفكار تدور في رأسه بلا توقف. كان يجلس وحده في مكتبه، الضوء الخافت يتسلل من النافذة المفتوحة ليُظهر تعابير وجهه الحادة. عيناه كانت مليئة بالغضب والألم، وكأنها تصرخ بصمت.
فواز لم يكن يتوقع أن تؤثر فيه هذه اللحظة بهذا العمق، كان يظن أنه أقوى من أن يتأثر بمغادرة رنيم من حياته بشكل نهائي، ولكنه شعر وكأن قلبه ينقبض بقوة كلما تذكرها وهي ترتدي ثوب الزفاف الأبيض، مبتسمة لرجل آخر. تلك الابتسامة التي كانت يوماً ما له، أصبحت الآن لغيره.
تراجعت كل الذكريات أمامه كأنها فيلم سينمائي بطيء. لحظات الحنان، والمواجهات الحادة، وكل ما بينهما. كان يستعيد كلماتها، نظراتها، وكيف أنها، برغم كل شيء، كانت الجزء الذي لم يكن يستطيع التخلص منه بسهولة. كان يدرك في تلك اللحظة أنه خسرها للأبد.
الألم في قلبه لم يكن فقط لأنه فقدها، بل لأنه أيضاً أدرك الآن أنها كانت تعني له أكثر مما كان يود الاعتراف به. وبينما كان يفكر، شعر بغصة في حلقه وعيناه تلمعان بالدموع التي حاول جاهداً أن يخفيها.
مر أسبوع وقد أفرج عن محمود زوج وعشيق تلك الخائنة ورغم تلك الرسالة التي كتبها لها .. مازال لا يستطيع نسيانها بينما يتم عقد قرانها على آخر ! ...
طوال هذا الأسبوع لم يذهب إلى العمل ولم يتناول طعامه مع العائلة
لم يستطيع النوم و ظهرت الهالات تحت عينيه .. كل لحظة يفكر تمر عليه يذداد تفكيره ...
كان زين الدين، الرجل المهيب ذو الهيبة الطاغية، يقف أمام باب غرفة ابنه فواز، عاقداً حاجبيه بنظرة تجمع بين الحزم والعطف. لم يكن زين الدين من النوع الذي يقبل الضعف أو الانكسار، سواء في نفسه أو في غيره، خاصة عندما يتعلق الأمر بابنه. سمع من فوزية كثيراً عن حالة فواز في الأيام الماضية .. وهو الوحيد الذي كان يعرف أنه في هذه الحالة بعد زواج رنيم
كانت فوزية كأي أم قلبها يتقطع وينصهر من أجل إبنها الكبير تجري على زين الدين تسأله أن يساعده وتشكي له كيف أنه أغلق على نفسه الغرفة ورفض دخول أي شخص. واليوم ، قرر أن الوقت قد حان لإنهاء هذا الوضع.
طرق زين الدين على الباب بقبضته القوية ثلاث مرات، بطرقات ثقيلة أصدرت صدى في أرجاء المنزل. لم يكن ينتظر إذناً بالدخول؛ كان يحذّر فقط. وبعد لحظات من الانتظار، دفع الباب بقوة ودخل.
وجد فواز جالساً على الكرسي ، مغمض العينين ووجهه مكفهر، لكنه لم يرفع رأسه.
زين الدين بنبرة صارمة، وصوت يحمل هيبة لا تقبل الجدال
_فواز، كفاية كده. اللي حصل حصل، وخلصنا. لازم تقوم، تفتح عينيك، وتفوق. الدنيا متوقفتش، وحياتك مش هتنتهي عشان حاجة زي دي.
رفع فواز رأسه ببطء، عينيه مليئتان بالغضب والألم، لكنه لم يكن قادراً على رد الصاع بالصاع. كان يعلم أن والده لم يكن من النوع الذي يُسمح له بالاعتراض.
فواز بصوت مبحوح وغاضب
_بابا، أنا مش عايز أسمع حاجة، مش عايز حد يدخل عليا. خليني في حالي.
زين الدين يقترب بخطوات واثقة، وكأنه يسيطر على المكان، عيناه تضيقان بشدة
_في حالك إيه يا ولد؟ إنت فاكر نفسك إيه؟ الدنيا هتقف عشان واحدة خاينة ورخيصة سابتك واتجوزت وأهي عاشت حياتها وبتكملها ؟ إنت فواز زين الدين! اسمك بيخوف الناس، ماينفعش تبقى بالشكل ده !
حاول فواز أن يتجاهل كلام والده، لكن زين الدين لم يمنحه فرصة للغرق في أفكاره.
أكمل زين الدين بحزم
_بص، حياتك دلوقتي اتفتحت من جديد، بقيت أحلى من الأول. خلاص انتهينا من اللي كان، لازم تقف على رجلك، وتروح شغلك، وتبني نفسك من جديد. ما تبقاش ضعيف، العيلة دي عمرها ما شافت الضعف.
كان فواز يعلم أن والده على حق، لكنه لم يكن مستعداً بعد للاعتراف بذلك. ومع ذلك، كانت كلمات زين الدين تتردد في ذهنه، توقظ شيئاً بداخله، شيئاً كان مدفوناً تحت أكوام من الألم والحسرة.
زين الدين بصوت أكثر ليناً لكن لا يزال حازماً
_ فكر في كلامي، فواز. مش هسيبك لحد ما تقوم وتقف على رجلك. إحنا ما بننهزمش.
كانت هذه الكلمات الأخيرة كأنها صفعة تُعيد فواز إلى الواقع. نظر إلى والده، وعيناه تحملان خليطاً من التحدي والاحترام. كان يعلم أن هذا الرجل الذي أمامه لم يُهزم يوماً، ولن يسمح له أن يكون أول من يُكسر في العائلة.
_ قوم ألبس وتعالى معايا الشغل .. هلاقيها منك ولا من الغبي التاني إللي مش شايف شغله بقاله شهور .. حرام عليكوا أنا مش مخلفكوا عشان تهدوا إللي ببنيه
قالها زين ثم احتد صوته وهدر في ابنه في عنف
_ قوم أخلص يلا خمس دقايق وألاقيك تحت ، رجالة آخر زمن ..
نظر له فواز في ضيق لكنه في النهاية نفذ أمر والده فمهما كانت قوته لن يستخدمها ضد والده
___
ذهب فايز وريم إلى المدرسة في سعادة ليوصلوا أطفالهم.. كان الجو كله فرحة والأطفال يشعرون بالحماس ولكن تغير كل شيىء في لحظة .. فبعدما شعر فايز أن كل شيئ تحسن وأنه الآن يعيش الحلم الذي تمناه وهو يذهب مع أطفاله للمدسة
أصبح الجو مشحونًا بالتوتر في صباح ذلك اليوم عندما وصل فايز وريم إلى المدرسة مع أطفالهما الثلاثة، رقية وعمر وياسين. كان كل شيء يبدو عاديًا في البداية؛ الأطفال يحملون حقائبهم المدرسية الصغيرة، وفايز يسير بجانب ريم التي كانت تعكس ملامح وجهها مزيجًا من القلق والتوتر. ولكن مع اقترابهم من بوابة المدرسة، بدأت نظرات الناس تتركز عليهم.
همسات متفرقة بدأت تملأ المكان، وببطء، بدأت تصل إلى آذان فايز وريم. كانت العيون تتجه نحوهم بخليط من الفضول والانتقاد، وكأن كل شخص يحمل حكماً جاهزاً.
_ أهو دا فايز اللي اتجوز على مراته... المسكينة دي ريم، معقول تكون مستحملة؟
همست إحدى السيدات لصديقتها، بينما كانت تشير بيدها بشكل خفي نحوهم.
كل كلمة كانت تصيب قلب ريم كسهم مسموم. شعرت بأن الكل ينظر إليها كأنها مركز الحكاية. لم تكن هي السبب، لكنها كانت المتضررة. كرامتها كانت مجروحة، وكأن نظراتهم تقيمها وتصدر عليها حكمًا لا ترضاه. وجهت بصرها نحو الأرض، محاولة أن تتجاهل تلك النظرات التي تحيط بها من كل جانب.
في الوقت نفسه، كان فايز يحاول أن يبقي وجهه خاليًا من التعبير، متجاهلًا تلك الهمسات والعيون الفضولية التي تلاحقه، لكنه شعر بانزعاج ريم بجواره، مما زاد من ضيقه الداخلي.
أما الأطفال، فقد بدت على وجوههم علامات الارتباك والحزن. عمر كان ينظر حوله بقلق، يسمع بعض الأطفال يتحدثون عنهم.
_دول بيقولوا ولادهم كل يوم بيعملوا خناقة
ردت الأخرى _ المدرسة استدعتهم علشان مشاكلهم
ثم همس أحد الأطفال لآخر _ عمر دا ضرب صاحبنا جامد
رقية نظرت إلى والدتها بعيون مليئة بالحزن والخوف، بينما ياسين سحب يد فايز بقوة وقال بصوت متوتر،
_ بابي مش عايزين نروح المدرسة تاني لو سمحت، كل الناس بتبص علينا كده ليه؟
شعرت ريم بتمزق في قلبها لرؤية أبنائها في هذا الموقف، نظرت إلى فايز نظرة تحمل من اللوم والعتاب أكثر مما تحمل من الكلمات. كان يعلم أنه مسؤول عن جزء من هذا الألم الذي يشعرون به الآن.
فايز، وهو يدرك ذلك، انحنى نحو أطفاله بصوت هادئ ليقول
_بصوا يا ولاد، الناس دايمًا بتحب تتكلم، بس إحنا عيلتنا مش لازم تتأثر بأي كلام. المهم إنكوا تكونوا أقوياء.
لكنه كان يعلم أن هذه الكلمات قد لا تكون كافية لطمأنتهم أو لتهدئة مشاعرهم.
ريم نظرت إلى الأطفال بحنان، ثم قالت بصوت خافت،
_ما تقلقوش يا حبايبي، ماما وبابا هيفكروا في حل، ما تخافوش.
ومع ذلك، شعرت ريم بأنها في وسط عاصفة لا يمكن إيقافها، وعرفت أن كرامتها وكرامة أطفالها ستكون دائمًا عرضة لتلك النظرات والهمسات ما دامت تعيش في ظل هذه القصة. وبينما كانوا يسيرون نحو بوابة المدرسة، شعرت بأن كل خطوة يخطونها كانت تثقل قلبها أكثر وأكثر.
بعدما أوصلا الأطفال وعادا للسيارة أراد فايز أن يتحدث ليبرر ويخفف من هول الموقف لكن ريم قالت
_ مش هنوصلهم بعد كدة المدرسة، الباص هييجي ياخدهم
_ ريم
أراد أن يتكلم لكن ريم قاطعته في حزم
_ مش عاوزة أتكلم
نظر لها فايز في اسف ثم وضع يده على المقود شاعرًا أن كلما تقدم خطوة رجع بعدها عشرة. ..
______
_
كانت هيام تجلس في غرفة المعيشة، غارقة في أفكارها وهي تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي على هاتفها. عينها تقع على صورة لأصدقائها في مطعم فاخر يحتفلون بمناسبة خاصة، فشعرت بوخزة من الحزن والقلق. كيف سيكون رد فعلهم إذا عرفوا أنها تزوجت من ذكي؟ ذكي الذي لا يمتلك المال ولا ينتمي إلى مستوى اجتماعي مرموق؟ كانت تخشى التهكم والنظرات الساخرة.دخل ذكي إلى الغرفة بوجه بشوش، جلس بجوارها وابتسم قائلاً
_إيه يا هيام؟ سرحانة في إيه؟
رفعت رأسها سريعًا، محاولة أن تبدو طبيعية.
_لا، مفيش حاجة، كنت بس بفكر شوية.
تابع ذكي بابتسامة خفيفة وهو يميل نحوها ، لا يريد أن يسألها أكثر فملامح وجهها يبدو عليها الوجوم .. قال في خفة
_طب ما تبطلي تفكير بقى وتقومي معايا أعملك أحلى كوباية شاي... شايفها في عينيكي انك عايزة تيجي معايا المطبخ ونعمل شاي سوا
ضحكت هيام ضحكة باهتة وحاولت أن تبعد أفكارها السلبية. وقفت متجهة إلى المطبخ، فيما بقيت أسئلتها تدور في ذهنها كدوامة لا تنتهي.
_هل سأكون قادرة على مواجهة أصدقائي؟ هل سيفهمون أن الحب ليس مالًا ولا مظهرًا
ذكي، من جهته، لم يكن يعلم بما يدور داخلها لكنه لم يكن يعتقد أن الأمور طبيعية. كان يحبها بصدق ولا يفكر في ما قد يعكر صفو علاقتهم ولكنه شعر بقلق بسيط . أما هيام، فكانت تكافح بين حبها له ورغبتها في أن تحافظ على صورتها أمام أصدقائها
.png)