الفصل الثاني والسبعون من رواية عشق أولاد الزوات

 الفصل الثاني والسبعون من رواية عشق أولاد الزوات 


عشق أولاد الذوات


___


أرادت ريم أن تسرع لتلحق بفايز حتى لا تتركه يتألم لكنها ما إن وصلت لباب الحمام حتى ترددت لحظة ، فهي تعلم أن زوجها بالداخل لا يحمل فوقه ملابس بسبب تعبه وهذا الأمر قد وترها كثيراً لكنها على أي حال تماسكت  دفعت الباب ببطء ، لتتفاجأ بمشهد لم تتوقعه.


كان فايز متجرداً تماماً من أي ملابس على عكس ما قدر تركته عليه فقد تركته بلا قميص فقط ، يقف تحت الدش وليس بحوض الاستحمام الذي تركته به ، وقد انسابت قطرات الماء على جسده كأنه تمثال من مرمر رغم تلك العلامات التي احتلت جسده .


توقفت ريم  في مكانها، وقد اتسعت عيناها من المفاجأة. شعرت بوجنتيها تشتعلان خجلاً، وارتفعت حرارة وجهها كأنها قد وقعت في مأزق لا مفر منه.


لكن الخجل لم يكن الشعور الوحيد الذي اجتاحها. كان هناك أيضاً شعور قوي بالاشتياق يعتصر قلبها. نظرت إلى تفاصيلع وتذكرت اللحظات التي كانت تجمعهما. كانت تشعر برغبة قوية في الاقتراب منه ، في لمسه، في أن تكون جزءاً من تلك اللحظة.


ومع كل ذلك، كان هناك شعور مرير بالغيرة يتسلل إلى قلبها. تذكرت أن هذا الجسد الذي تشتاق إليه قد لامسته زوجته الأخرى. تساءلت في نفسها كيف كان شعورهما معاً، وكيف كان يتفاعل معها. هذا التفكير زاد من حزنها وضيقها... تذكرت أنه لم يعد ملكها وحدها وتذكرت وضعها الصعب .. تسائلت مرات عديدة .. سألت نفسها عن سبب تحملها ما يحدث .. 


بينما كانت تقف هناك، لم تستطع أن تتحرك. كان الخجل يقيدها، والحزن يغمرها، والغيرة تشعل في قلبها ناراً لا تهدأ. أحست بأن دموعها قد تتساقط في أي لحظة، لكنها أجبرت نفسها على البقاء صامتة . 


في تلك اللحظة، استدار فايز قليلاً، ولاحظ وجودها. تقابلت أعينهما، وشعرت ريم أن الأرض قد انشقت تحت قدميها. حاولت أن تتدارك نفسها، لكن الكلمات خانتها. 


_ ريم .. 


قال فايز بصوت متعاطف يناديها متمنيًا أن تقترب


لم تستطع ريم  أن ترد . كل ما فعلته هو أنها هزت رأسها بخفة، ثم استدارت بسرعة وخرجت من الحمام، تاركة خلفها مشاعر مختلطة من الخجل والحزن والغيرة. في قلبها، كانت تعلم أن هذه المشاعر ستظل تطاردها لفترة طويلة، وأنها بحاجة إلى وقت لتفهم وتتعامل معها... رغم صعوبة ما يحدث وريبة الناس من تحملها له لكنها كانت تعلم أشياء لا يعلمها أحد غيرها وكانت تعلم ما تريده بالتحديد لهذا هي صابرة على وجود أخرى لعينة في حياة زوجها 


بعد ما خرجت ريم من الحمام أخذت تسحب أنفاسها.. تحاول أن تهدأ وتذكر نفسها أنها أتت هنا للمساعدة فقط وليس لأي شيئ آخر.. ما إن نظمت أنفاسها حتى دخلت للحمام بسرعة ليتفاجى فايز بعدما أصابه الإحباط بذهابها 


لكنها لم تكن تركز على أي شيئ غير إزالة تلك المواد الدهنية التي التصقت على جسده وصعب إزالتها بالماء فقط .. استخدمت صابونة الشمس التي أحضرتها لتمشيها على جسدها بينما فايز أمامها يرتعد .. 



فالليل هادئ، وكانت تلك اللحظات القريبة بينه وبينها بعد زواجه الثاني دائماً مليئة بالتوتر الصامت بينهما. لم يكن فايز يتوقع أن تحممه ريم بنفسها  لكنه لم يبدِ اعتراضاً عندما بدأت بالفعل في تمشيط جسده بالصابون 


تقدم فايز نحوها قليلاً حتى يتثنى لها أن تنظف جسده بدقة أكبر ، وهو يحاول السيطرة على نبضات قلبه المتسارعة. ينزل عليه في الماء الدافئ ، وأغمض عينيه للحظة، محاولاً أن يسترخي. لكن، بمجرد أن بدأت ريم بغسل جسده بلطف في مناطق تأذت بجسده ، شعر بالتوتر يعود من جديد. كان يحاول جاهداً أن يحتفظ برباطة جأشه، وأن يقاوم الانجراف وراء الرغبة التي كانت تتصاعد داخله.


ريم بدورها، كانت تعامل فايز بحنان ورفق رغم ضيقها وحزنها وفي خجل شديد كانت تدلك عضلاته المتوترة بحركات دائرية. كل لمسة من يديها كانت تثير في نفسه مشاعر متضاربة. أراد أن ينغمس في هذا الشعور، أن يستسلم للراحة والحنان، لكن جزءاً آخر منه كان يقاوم بشدة، محاولاً الحفاظ على توازنه الداخلي.


بينما كانت ريم تقترب بيديها من  صدره ، فتح فايز عينيه ونظر إليها. كانت عيناها تلمعان ببريق خاص، وكأنها تتفهم تماماً الصراع الداخلي الذي يعيشه. شعر برغبة قوية في أن يضمها إليه، أن يشعر بها قريبة منه، لكن شيئاً ما بداخله كان يرفض الانصياع خوفاً من رفضها له الذي لن يستطيع تقبله ...


لكنه وجد نفسه ينظر لقميصها الذي ابتل تماماً وتهدل من فوق اكتافها بينما هي منشغلة في تنظيفه ليشعر بأنه غير قادر على التحكل أكثر من ذلك ليمسك يدها لتنظر له في تفاجئ ليقول بهمس وسط قطرات الماء


_ ريم ...


نطق اسمها بصوت خافت، محاولاً أن يجد الكلمات المناسبة


_ أنتِ عارفة إني بحاول بس أنتي ، انتي


علمت ما يريده فعيناه الغائمة تعلمها جيداً فعندنا يريد شيئا يتحول لطفل لحوح وعنيد خاصتا في هذه الأشياء 


قالت ريم بنبرة قوية _ فايز ، أنا هنا عشان أساعدك بس 


شعر فايز بالإحباط من رفضها له ، شعر بالحرج خصوصاً وهو يشتم تلك الروائح المميزة الخاصة بها التي كلما اختلطت مع الماء انتشرت رائحتها في الأرجاء أكثر حتى ملئت الحمام بالكامل    وكم اشتاق لتلك العطور الراقية الهادئة الخاصة بها هي وحدها ..  


بعد فترة كانت آلام فايز قد خفت بالفعل بعد ما انتهت بصعوبة من إزالة كل ما على جسده 


دق الباب لتذهب ريم لفتحه وتجد أمامها غادة حامله معها ما طلبت ريم .. حاولت غادة النظر لما وراء الباب لكن ريم منعتها قائلة 


_ استني برا ، ولا اقولك روحي هاتي لبس لفايز وبشكير قطن نضيف 


_ أنا عايزة أدخل أشوفه هو جوزك لواحدك ولا إيه 


قالتها غادة في ضيق وغضب لتحذرها ريم 


_ اعملي إللي قولتلك عليه وأنتي ساكته ! 


ثم أغلقت بوجهها الباب وعادت لفايز لتساعده على الجلوس على حافة الحوض لتضع خل التفاح المحلول بالمياه الدافئة على جسده وتطببه  بتلك الفوط القنطية ... 


شعر فايز بالسعادة من اهتمامها وحسن تصرفها وأنها قد أنقذته من براثن غادة ! وعلى ذكر غادة كم شعر بالإنتشاء ما إن رأى طريقة تصرف ريم معها وكيف أنها تتوهج وتشتعل ما إن رأتها  .. هتف فايز بينما يحدث ريم المنشغلة به 

_ كانت ناقص ترش عليا شوية ملح وتتبلني وتدخلني الفرن 


لم تستكع ريم كبت ضحكتها عقب تعليقه المتحسر الساخر ، رغم حجم التوترات التي بينهما والجو المشحون بالمشاعر المتضاربة إلا أنها نظرت له قائلة 


_ المشكلة اني محذراها .. لو مكونتش حذرتها كانت دخلتك الفرن فعلاً 


ضحك فايز بخفة ولم تنمحي ابتسامتهما وتلك المحادثة القصيرة قد أشعرت ريم بروح فايز أيام الجامعة .. فايز الذي يسخر ويضحك ويتفاعل مع الأحداث .. لأول مرة يمزح معها فايز ! .. وياللسخرية في هكذا وضع ! ما إن أدركت ريم تلك الحقيقة حتى انمحت ابتسامتها واعتدلت قائلة 


_ شايفة إنك بقيت كويس  ... 


تعمق بعينيها مردفًا بصوته الهادئ 


_ أيوة أحسن كتير .. 


لتقول ريم بقوة _ ياريت متصحونيش من نومي تاني أنا مش دكتورة على فكرة و المستشفيات مالية البلد 


ثم كادت تخرج ليشدها فايز من يديها لتنظر له في حدة جعلته يتوتر قليلاً لكنه لم يتراجع قائلاً 


_ ريم 


عينيه الخبيثة تسائلت _ طبيعي إنك تكوني نايمة بقميص نوم زي دا وحاطة ال perfumes دي 


لم تتوتر ريم ليعود فايز متلاعبًا بمشاعرها بأنانية 


_ أنا عارف إنك بتحبيهم بس 


_ متوقعتش ألبسهم وأنت مش موجود


قاطعته ريم في ثبات لتذهله بينما تكمل 


_ الطبيعي إن مفيش حاجه بتفضل على حالها  .. 


لم تمهله وقت للرد لتغلق الحديث تريد الهرب من أمامه ومن ذلك الموقف الغريب بأسرع وقت 


_ تصبح على خير وخد بالك من نفسك الفترة الجاية أكتر 


فجأة وعى فايز لكارثة كبيرة ليصرخ على إثرها 


_ انتي هتخرجي بالبتاع دا ! 


أجابته بلا مبالاة _ منا جاية بيه 


هنا قد وعى لكارثة أكبر ليهتف بينما عينيه متسعة في صدمة متمتما كمن يحدث نفسه في جنون 


_ أيوة صح جيتي بيه ، ينهار أسود يا ريم !!! يعني إيه جاية كدة !! .. إزاي تطلعي من الأوضة وانتي كدة 


هنا هبت فيه _ هو أنتوا اديتوني فرصة !


هتف فايز في عدم تصديق وعقله لا يستوعب أنها خرجت هكذا من غرفتها ويرسم سيناريوهات مختلفة عن ماذا سيحدث لو رآها أحد غيره في هذا الشكل أو اشتم تلك الروائح المميزة التي لا تضعها إلا من أجله! 


_ هو دا عذرك .. تطلعي بقميص النوم وريحتك جايبة البيت كله وياترى بقى مين شمها يا مدام يا محترمة 


ذهلت ريم من أسلوبه وغضبه لتهتف _ انت مجنون !! بجد مجنون مش طبيعي أبدا 


وجدها تهم للخروج ليصرخ بها ليمنعها


 _ ريم .. ريم متطلعيش كدة 


استغلت ريم وضعه أنه لن يستطيع اللحاق بها وتنفيذ قوله وخرجت لتجد غادة في الخارج تريد أن تدخل لكن ريم أوقفتها وأخذت منها الاشياء ودخلت هي لفايز مرة أخرى ... بينما وقفت غادة مصدومة مما رأت ! لقد رأت ريم بالكامل بذلك القميص المهلك المبلل ! ... ولولا أنها الملامة الوحيدة على ما حدث لفايز لكانت قتلتها وأخرجتها من الغرفة كاملة. ... 


تفاجئ  فايز بدخول ريم مرة أخرى  بعدما حاوط جسده بمنشفة الوجه المعلقة بالحمام لتقول في غضب ما إن رأته وقد نست شجارهما الذي لم يمر عليه دقيقة 


_ بتستخدم فوطة مستعملة ليه أنت لسة جسمك مورم


أقترب فايز منها وذلك القلق في صوتها والحرص قد داعباه ليقول بصوتٍ منخفض 


_ مخدتش بالي .. هاتيلي انتِ النضيفة


ثم مال عليها لتشعر بتلك الهالة القوية الخاصة به توترها فتراجعت خطوة للوراء ثم أعطته المنشفة جديدة مع ملابسه الداخلية القطنية وأرادت أن ترحل سرعة قبل أن تعطيه فرصة للتلاعب بمشاعرها فهي لن تتحمل جولة أخرى معه . ...


لكنه ثم همس جانب أذنها _ أنا كنت جاي وراكي ، على جثتي لو خرجتي كدة من الأوضة! 


ثم وجدته يتجه للباب لينادي غادة التي ما إن رأته حتى هتفت في لهفة


_فايز حبيبي أنت كويس ؟ 


_ هاتي إسدال الصلاة 


تجاهلها فايز وطلب بشكل مباشر لتندهش من طلبه لكنها نفذته على أي حال حتى لا تثير غضبه ... رغم أنها شعرت بمشاعر قاسية !


دخل فايز على ريم ، لم يرتدي سوى ذلك البشكير وبسبب غيرته لم يكمل ارتداء أي ملابس ليأمر ريم 



_ البسي


نظرت لما بين يديه وكانت في أعلى مراحل غضبها لترفض


_ مش لابسة 


لكنه أصر بينما يذداد اقترابه منها ونبرته لا تقبل النقاش 


_ بقولك البسي الزفت يا ريم متجننيش دماغي 


نبرته السوقية التي تحدث بها جعلتها تتمسك برفضها أكثر 


_ وأنا مش هلبسه 


هز رأسه عدة مرات قادمًا شفتيه في غيظ وؤغبة عارمة في السيطرة عليها وجعلها تحت طوعه كما كانت سابقًا ليبتسم في غيظ قائلاً 


_ خلاص ، خلينا قاعدين في الحمام 


ثم مال بجسده على الحائط من خلفه مربعا يديه أمام صدره في ارتياح وتحدي... كانت ريم يتتحداه لولا نظراته لها ولجسدها لتقول 


_ متبصليش كدة 


_ مش أنتي إللي مش عايزة تلبسي ، براحتي ابص في أي مكان يعجبني .. 


أغمضت ريم عينيها تضغك على فكيها في عنف وغضب شديدين ولاول مرة تصل معه إلى هذا الحد لاول مرة تخالفه في الأساس لتجد نفسها تقترب بعنف منه منتزعه ذلك الوشاح من بين يديه لترتديه في همجية وبشكل غير منظم لترتفع فوق شفتي فايز ابتسامة منتصرة 


ما إن ارتدته حتى ابتسم إثر رؤيته لذلك الوجه الأحمر المحتقن من الغضب وتلك الخدود المنتفخة والعينين صاحبة النظرة العنيفة ليقترب منها ناظرًا داخل عينيها ثم فجأة قبل جانب شفتيها في رقة موحية 


_ شطورة يا حبيبتي 


قبلة ! تلك القبلة التي حُرمت عليهما طوال أشهر ، أغمضت ريم عينيها دون إرادتها وسيل من المشاعر سيطر عليها ليهمس أمام شفتيها كالمسحور 


_ شوفتي ببقى حلو إزاي وانتي مطيعة ! 


وهاهو فايز يهم للإقتراب من شفتيها ليقبلها وهي مستسلمة تماماً له .. 


وفي اخر لحظة دفعته ريم وغادرت جريًا من الحمام


ما إن خرجت حتى وجدت غادة أمامها.. تجمعت الدموع في عيون غادة فور ما رأت ريم ترتدي إسدالها .. ترتدي ملابسها التي استخدمها فايز ليستر بها جسدها ! ... 


شعرت بنغزات في قلبها لتبادلها ريم النظرة بأخرى غير مبالية ثم خرجت تاركة غادة تشعر أنها لتوها قد دخلت المعركة .. وهي التي حسبت أنها قد دخلت وفازت وانتهى الأمر ، لكن الآن تكتشف أنها مازالت في البداية ! 


_____


قد فاقت ريم من تعبها لتجد فواز جانبها يعتني بها ... شعرت بالحزن لأجله لانه بالاساس مريض .. وما إن رأت نظرات القلق في عينيه حتى عادت ثقتها بأن علاقتهما من الصعب إنهائها على عكس ما أكده له حماها 



_ كنتي فين يا رنيم ؟ 


صدمة أصابتها من إن تلفظ بتلك الكلمات! إنها أول شيئ يسأل عنه بدل أن يهتم بتعبها ومرضها 


لتقول رنيم بصوتها المرهق _ كنت نازلة أشتري حاجة 


_ تتأخري كل دا وترجعي من غير حاجة وأرجع الاقيكي مع محمود ! 


شعرت به يهاجمها رغم أن صوته هادئ ، تبادلا النظرات حتى طالت قبل أن تقول رنيم بصوتِ واهن


_ ملقتش إللي أنا عوزاه .. 


لم يظهر على وجهه التصديق لتبتسم في مرارة من شكه فيها لتقول في سخرية حزينة 


_ أنا دايما مبلاقيش إللي أنا عوزاه ! 


ثم أعطته ظهرها حتى لا ينظر إلى دموعها التي سقطت من قسوته وعدم اكتراثه لها 


فجأة وجدت أنفاسه تلفحها من الخلف يحتضنها بقوة وصوته الهامس المتألم يخبرها 


_ عارفة أنا قلقت عليكي أد إيه ؟ عارفة إني كنت هتجنن وهنزل أدور عليكي في الشوارع!!


شعرت بكلماته تطبطب على قلبها لتدخل في بكاء مرير وهي تتذكر ضغط ما عاشته ليجعلها تلتف له مصدوما من بكائها سائلاً في اهتمام 


_ مالك يا حبيبتي ، بتعيطي كدة ليه ؟ 


لم تجد رد وبم أصلا ستحيبه ، اختبأت رنيم في حضنه .. ضمته في عنف كأنه القشة وهي الغريقة 


لم يسأل فواز أكثر فهو ليس بمحل ليناقش أي شيئ ، لقد عاش هو الآخر يوماً عصيبًا مروراً بهيام انتهاءًا بمرض رنيم 


بعدما وجدها قد هدأت ودخلت في النوم مرة أخرى حتى قبل جبينها وانتزع نفسه منها في رفق شاعرًا أن عقله سينفجر من التفكير ويحتاج إلى حمام بارد 


دخل فواز الحمام .. تائها ضائعا وأضحى لا يعلم ماذا يريد أكثر من أي وقت مضى ، يتذكر هيام وشكلها الرائع وجمالها الآخاذ وجسدها المضبوط على الشعرة! .. 


وكيف دخلت تحدث ذكي ويتبادلا النظرات الغامضة فيما بينهما بينما لم تعيره هو أي اهتمام ولو حتى بنظرة عابرة ! .


توقف عقله فجأة ما إن تخيل أن ذكي ذلك الرجل البسيط سيحظى بسيدة مجتمع صغيرة وجميلة مثل هيام .. ليغمض عينيه في أسى مذكرا نفسه أنه يحب رنيم وقد طلق هيام وانتهى الأمر ...


في المطبخ  وقفت رنيم أمام الثلاجة تخرج قطعة من الحلويات .. حيث شعرت في منتصف نومها أنها تريد شيئًا حلوًا  فذهبت للمطبخ تبحث عن أي حلوى به .. أمسكت الحلوى وكانت عيناها تلمعان بشغف ، وكأنها تذوق طعم السعادة في كل لقمة .


خرج فواز من الحمام لينظر يرى الفراش فارغًا ليخرج باحثًا عنها ، رتقب بعيناه زوايا المنزل ليجدها فارغة ثم أستمع لصوت قادم من المطبخ فاقترب منه ليقف على أعتابه وقد وجدها هناك بالفعل تلتهم علبة حلويات بنهم شديد  ! 


شكلها بدا غريباً ولأول مرة يشعر بالضيق وهو يراها تأكل ... فراقبها فواز من بعيد ، متردداً في الحديث الذي تجمع في سقف حلقه . 


تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، ووقف أمامها ، لتنظر له مبتسمة في رقة وسعادة بينما تمد يدها له باحدى القطع 


_ تاكل ؟ 


هز رأسه بالرفض وحاول جاهداً أن يبتسم، لكن شيئاً ما بداخله كان يمنعه. أخذ نفساً عميقاً ثم قال بصوت خافت:


_ رنيم ، مش شايفة إنك كلتي حلويات كتير أوي .. يعني.. عشان متذيديش في الوزن .. 


توقفت رنيم عن الأكل للحظة وانمحت ابتسامتها المستمتعة، ونظرت إلى فواز بعينين متسعتين. لم تكن الكلمات التي سمعهتا هي ما توقعت سماعه. شعرت بتيار من الحرج والغضب يسري في عروقها، لكن حاولت جاهدة أن تبقي هدوءها.


ثم تذكرت حديث دينا لها .. بل وإهانة زين الدين الواضحة لها واذدراءه لحجم جسدها 


_ فواز هو أنت شايف إني لازم أقلل أكلي وإني تخنت؟ 


ردت بصوت متردد سائلة إياه مستفسرة عن نيته من قوله


ابتلع فواز ريقه، محاولاً أن يجد الكلمات المناسبة لتخفيف وطأة حديثه 


_ لا،  مش كدة بس .. عايزك تبقى صحتك كويسة يعني أنتي شايفة كنتي تعبانة إزاي آخر مرة !


رغم ما قاله إلا أن عينيه التي كانت تزوغ على جسدها في نظرة إذدراء تراها لأول مرة على وجهه جعلتها تشعر بالصدمة والقلق ! 


لم تستطع رنيم أن تخفي شعورها بالخجل والضيق. وضعت القطعة الأخيرة من الحلوى على الرخامة ، ونظرت إلى فواز بنظرة تجمع بين الحزن والاستفهام... 


_ مش هاكل حلويات تاني ، لو دا إللي أنت عاوزه ! 


ثم تبادلا النظرات .. لامته بنظراتها سائلة إياه أليس أنت من كان يطمعني كل أنواع الحلويات في سخاء ، أليس أنت من كن يطمعني بيديه ! 


أحنى فواز رأسه قليلاً، وأحس بوخز الندم في قلبه. كان يعلم أنه لم يحسن اختيار كلماته، وأنه ربما جرح مشاعرها دون قصد أو أنه بالفعل قد قصدها لكنه على كل حال لم يحتمل أن يراها وهي حزينة . حاول أن يمد يده نحوها، لكن المسافة بينهما بدت وكأنها اتسعت فجأة.


بعد لحظات من الصمت المؤلم ، يتحدث فواز بصوت متعثر


_آسف، مكونتش أقصد ...


يتوقف مترددًا، يحاول تصحيح الأمر ولكن الكلمات تعجز عن التعبير عما بداخله.


ترتفع أصوات الدموع في صمت محزن، وترد  رنيم  بصوت مكسور


_أنا كمان آسفة ... مكونتش أعرف إن وزني مسببلك الضيق والزعل دا ..


ثم ابتسمت بمرارة محاولة تخفيف التوتر، لكن الألم يبقى محاصرًا بينهما... وذلك اليوم كله بكل ما حمله كان كثيراً عليها... ولحسرتها أنها تأكدت من كلام دينا شعرت بروحها تنسحب منها 


هرب فواز من عينيها ودخل لغرفته تاركاً إياها لكنها لم تفارق أرض المطبخ ، تجتاحها مشاعر الخيبة والعجز، تحاول تقبل حقيقة أنهما بحاجة إلى فهم أعمق وتواصل أفضل. تستمر الكلمات في العرقلة، والمشاعر في الاشتباك، ولكن تبقى الرغبة في إصلاح الأمور حاضرة، متوهجة بخيط ضئيل من الأمل في قلوبهما المتعبة... وماذا ستفعل أمام رغبة أبيه التي تأكدت منها أنها لن يُسمح لها بالعيش في منزلهم مهما فعلت ومهما حاولت لإثبات وجهة نظر عكسية لما في رأسه ؟ .. 


تذكرت رنيم ريم وريهام وغادة .. تذكرت أنهما الآن يعيشا في كنف العائلة .. حتى هيام! اكتشفت أنها أقل منها وأقل منهم جميعاً ... 


تحركت رنيم من مكانها بصعوبة فهي كانت تتحمل لأن فواز بصفها لكنها الآن ترى أنها على مشارف خسارة إعجابه وتعلقه بها  ! 


خرجت من المطبخ متوجهه لغرفتهما لكنها توقفت وغيرت طريقها عائدة لغرفة الجلوس لتقترب من الأريكة وتتمدد فوقها كالجثة الهامدة .. لا تريد رؤية فواز والاقتراب منه ، لسبب لم تعرف له إجابة وقضت تلك الليلة على الأريكة وأغمضت جفنيها أخيرا.. أو أنها غابت أخيراً عن الوعي فلا يوجد إنسان يحتمل كل تلك القسوة والصعاب . 


_____


_ أنا هبات اليومين دول برة البيت تمام


هتف بها فوزي لهيام بينما وقف بسيارته أمام المنزل وقد عادا من مكتب المأذون ، لتهتف هي بدورها وقد كانت تجلس بالمقعد الموازي له 


_ وهتسيبني ! 


هتف في أسف _ المأذون بيحضر ورقه ..  يومين إن شاء الله وكل حاجة تتحضر ونكتب الكتاب تاني 


نظرت له في بعض الحزن فهي لم تعد تطيق ابتعاده عنها لكنه قال بهدوء اتسم بالمرارة 


_ بعدين أنتي متعودة .. عادي يعني مش هفرق أوي 


كانت ريهام عتادة على بيات فوزي خارج المنزل فهو بعد الانفصال لم يكن يأتي إلا متأخرا جدا يأخذ ويحضر بعض الأشياء ثن يغادر أو يسكت خارج البيت دون الحضور أبدا .. لكنها شعرت بنبرة حزينة غير مريحة في صوته لتقول 



_ فوزي .. مالك ؟


رد _ ماليش .. 


لم تصدقه وتأملت وجهه بعينيها المتفحصة ليضعف أمامها فورا ويقول في توتر وملامحه قلقة 


_ لأ بصراحة أنا خايف ، خايف تغيري رأيك أو حاجة تحصل وتبوظ كل حاجة.. مش هستحمل 


_ أغير رأيي ! ...  


هتفت مستنكرة لتبتسم ثم شرعت في طمئنته 


_ عمري ما هغير رأيي ومش هسمح لأي حاجة وحشة تفرقنا عن بعض تاني 


ثم تعمقت نظرتها داخل عينيه _ أنا بحبك يا فوزي ، عارف يعني إيه بحبك 


سُحر بما قالت وقد طمأنته حتى أنه شعر أنه يريد احتضانها ليسأل في فضول لديه رغبة لسماعها تتغزل فيه وفي صفاته 


_ إيه إللي بتحبيه فيا ؟ 


ابتسمت في خجل امتزج بإعجابها الشديد به 


_ كلك عاجبني ، كلك بحبك .. 


وضع فوزي يده على قلبه مما قالت وقد شعر أنه سيفقد القدرة على التنفس 


_ قلبي ! .. 


ابتسمت ريهام على حركاته تلك لتكمل 


_ حبيت احترامك وأدبك .. رغم إنك في الأول كنت مريب .. 


فجأة تقعص حاجباه وقد خرج من زوبعة المشاعر التي كانت سنقضي عليه من حلاوتها سائلاً 


_ مريب ! مريب ليه ؟


لتقول ريهام _ بتمشي ورايا وبشوفك في كل حتة ! دي مش حاجه مريبة في رأيك !؟


ردد وكأنه أدرك شيئًا ما _ القتلة المتسلسلين بس هما إللي بيعملوا كدة 


لتؤكد ريهام في عتاب _ بالظبط يا أستاذ والناس إللي مش محترمة هي إللي بتعمل كدة 


تأفف فوزي فقد نكدت عليه وسحبت كل كلمات الغزل والحب التي قالتها منذ قليل ليقول 


 _ امال إيه حبيتك عشان احترامك وأدبك 


قالت ريهام ببلاهه وكأنها لم تفسد عليه أفضل لحظات حياته 


_ دا بعدين بقى لما عرفت إن أنت عبيط يا حبيبي وإللي في قلبك على وشك ولسانك ورجليك 


انفتحت عيني فوزي من شتيمتها له هاتفًا 


_ عبيط ! ومن شوية مريب.. كنتي سيبني أفرح باحترامك وأدبك ومكانش لازم تقولي الكلمتين دول 


ردت ريهام غير مبالية _ دي الحقيقه مبعرفش أخبيها 


نظر لها فوزي بضيق لتعود وتقول 


_ ولو غيرت رأيي متسيبنيش .. 


ضرب مقود السيارة في غضب 


_ كدة بقى هتخليني أخاف تاني


لتضرب هي على كتفه بقوة 


_ متخافش ياعم فوزي خليها على الله 


تفاجئ من أسلوبها الجديد عليه لكنه ابتسم معجبًا مرة أخرى 


_ ماشي يسطا ..


ضحكت ريهام في خجل من أسلوبه معه الذي تطور وأصبحت لا تخاف أن تظهر بشخصياتها المتعددة أمامه ... لتنزل جريًا من السيارة هاربة من نظراته الجميلة ... 


بينما نظر فوزي في أثرها ، أنه يقع ساقطًا كل مرة بأي شيئ جديد يصدر منها .. لقد وقع أثير لكل ما يخصها حتى مالا يعلمه .. فأي شيئ منها أصبح مرتبط عنده بالحب والعشق حتى لو كان عيبًا .. 


__

💖💖💖💖💖💖نهاية الفصل 💖💖💖💖💖

إرسال تعليق

الموافقة على ملفات تعريف الارتباط
”نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.“
لا يتوفر اتصال بالإنترنت!
”يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت ، يرجى التحقق من اتصالك بالإنترنت والمحاولة مرة أخرى.“
تم الكشف عن مانع الإعلانات!
”لقد اكتشفنا أنك تستخدم مكونًا إضافيًا لحظر الإعلانات في متصفحك.
تُستخدم العائدات التي نحققها من الإعلانات لإدارة موقع الويب هذا ، ونطلب منك إدراج موقعنا في القائمة البيضاء في المكون الإضافي لحظر الإعلانات.“
Site is Blocked
Sorry! This site is not available in your country.