الفصل الثاني والخمسون من رواية عشق أولاد الزوات
عشق أولاد الذوات:
نام فايز في منزله لكن لم يشعر به أحد لعودته متأخراً وعند بداية الصباح قد خرج قبل أن يراه أحد أيضًا وأهمهم زوجته غادة التي نامت من شدة التعب ولم تنهض لترتب له أشياءه مثلما تفعل أي زوجة لزوجها ... أو مثلما كانت تفعل ريم .
وصل للمنزل ليقف أمامه بسيارته ثم قبل أن ينزل نظر لمرآة سيارته ولأول مرة يشرد قليلاً ثم يبدأ في هندمة شكله وقميصه الذي لم يكن مكوي بطريقة جيدة لكن لابأس به ثم وضع من عطره بسخاء و الذي يعلم أن ريم تعشقه ودائماً ما أبدت اعجابها به .
تأكد من حسن مظهره الذي لا يعلم لم أهتم به إلى هذا الحد قبل أن يذهب أولاده ... نزل من سيارته وتوجه للمنزل ثم دق الباب مرتين فلم يلقى رداً فضغط على زر الجرس وماهي إلا لحظات حتى انفتح الباب ..
هبطتت معالم وجهه بينما يرى خالته هي من أمامه التي بدورها نظرت له بعدم رضا ووقفت أمامه متصدرة الباب فحمحم فايز قبل أن يقول
_ جاي أخد الولاد للمدرسة
طالعته بنظرة باردة ثم ابتعدت عن الباب وتوجهت للداخل ليحمحم فايز مرة أخرى وقد شعر أنه يختنق لكنه عدل قميصه بقوة وردد عقله أنه لم يفعل شيئ يجعله يخجل ويتوتر هكذا
دخل المنزل ورائها وماهي إلا خطوات قليلة حتى وجد خالته أمامه تقف مربعة يديها على صدرها قائلة
_ الولاد لسة مصحيوش .
ضيق ما بين عينيه وقد احتله خوف أن أولاده قد فوتوا الفجر وهذا كل ما سيطر على عقله بينما كان يحرص طوال حياته أن ينبتوا نباتاً حسناً وألا يتبعوا بعض خطاه التائهه
_ مصلوش الفجر ؟!!
أخفت خالته ابتسامتها وقد أعجبها كيف أنه لم يهتم إلا بالصلاة وقدرت له ذلك ثم طمئنته قائلة بلهجة حاولت جعلها باردة
_ صلوا الفجر وناموا
تنهد بارتياح فقالت خالته
_ هطلع أصحيهم
_ خالتو استني
أوقفها ثم قال
_ جاي معاكي
وقفت لحظات متجمدة مكانها لكن ما عساها أن تفعل فهم أطفاله وليس لها الحق في منعه ...
تقدم فايز في لهفة على عكس عادته الهادئة لكن قلبه اللهيف قد اشتاق لأن يضم أطفاله ويحتضنهم
______
_ عمر .. عمر
قالها فايز بعدما دخل من غرفة ابنائه ثم توجه لهم وقد شعر أن عينيه ستدمع فهاهو يراهم بعد غياب لم يجربه ولو لثانية بحياته
اقترب من فراش عمر وبدأ في الهمس له في حنان وشوق حتى بدأ ابنه يفتح عينيه لحظة وفي هذه اللحظة كان فايز ينتقل لإبنه الآخر ياسين ليجعله يستيقظ هو الآخر عله يرى نظرة عينيه التي اشتاق إليها حد الجنون
_ ياسين !؟ .. ياسين حبيبي
نظر عمر وياسين لأبيهم وقد بدت أعينهم نصف مغلقة ثم بلحدة تهافتوا عليه يحتضنوه ويقبلوه حتى أوقعوه على الفراش يرددون على مسامعه عبارات الاشتياق والحب وسط ضحكات أبيهم السعيدة وضمه لهم كأنه يمتلك الدنيا بمن فيها
بعد ترحبيهم به داعب شعر كل منهما قائلاً
_ يلا يا ولاد معاد المدرسة
عبس وجه عمر وقد تذكر أن عندما فتح عينيه انتبه لشيئ ليقول
_ بس وحضرتك بتصحي ياسين قولتله حبيبي !
ابتسم فايز على إبنه الصغير فقبله فايز من وجنته ليراضيه ويعدل بين ابنائه حتى لا يربي بهم أي ضغائن لبعضهما
_ أنت كمان حبيبي يا عمر
ثم قبل ياسين كما فعل مع عمر هاتفاً في سعادة
_ انتوا الاتنين حبايبي وعمري
وضع كفيه الإثنين على منكبي كل منهما بينما يشعر بسعادة جارفة وهو بينهما هكذا يفتخر برجليه الصغار فضماه ثانية في شوق ليستنشق رائحتهما بمشاعر أبٍ حنون يعشق أطفاله
_ وحشتنا أوي أوي
قبلة آخرى وضعها على منهما ثم سأل في اهتمام شديد ورقة غريبة احتلت صوته ما إن تحول الحديث إلى فتاته الصغيرة
_ فين رقية ؟
_هروح أصحيها أنا
نظر للباب ليجد أن هناك تقف خالته التي لم ينتبه لها والتي وقفت منذ دقائق ترى مشاعره ولحظاته مع ابنائه .. تنهدت في آسف فهو أب رائع لكنه كما يحب أطفاله ولا يطيق عليهم الحزن فهي أيضاً تعشق إبنتها ريم ولا تستطيع رؤيتها هكذا مجرد زوجة لها ضرة وتعيش بائسة ..
_ لأ أنا عاوز أصحيها زي عمر وياسين
عارضها فايز ناهضاً فهو لا يفرق بين معاملة أطفاله أبدا بل على العكس يرى أنها أولى بمعاملة ارقى وأرق
وقفت أمامه خالته تمنعه بينما تكتف يديها أمام صدرها في تحدي صريح منها له
_ رقية نايمة في أوضة ريم يا فايز
رفع فايز حاجبه بعدم رضى واضح وصريح وقد بدى كاللذي أكل الناس غداءه يطالعها بحقدٍ فهل بكلامها تخبره أن ريم أصبحت محرمة عليه !
_ وايه المشكلة .. أنا داخل لمراتي ولا أنا بقيت غريب ؟!
قالها في حدة كانت قوية حتى أن الصغار لاحظوها ليتسائل ياسين ويتمسك عمر بقدم أبيه ببعض القلق
_ بابي فيه مشكلة ؟
لم ينظر له فايز ولم تبارح عيناه عيني خالته لتتنهد وتخسر أمام زوج ابنتها ثم تنظر لحفيدها وتقول
_ مفيش يا قلب جدتو .
أزاح فايز وجهه وكبت غضبه ثم رسم إبتسامة على وجهه موجهاً حديثه لأطفاله
_ يلا أغسلوا وشكوا على ما أصحي أميرتنا وأجي ..
_ أوك
أطاعوه ودخلوا جرياً يتسابقان ووقف فايز يطالع حماته كأنه يودعها بنظرات غاضبة ثم ذهب تجاه غرفة ريم وخالته تقف تغلي لا تعرف ماذا عليها فعله لكن ما أوقفها هو إصرار فايز الواضح وتحوله للغضب بعدما منعته بشكل غير مباشر للدخول لريم ... لهذا تركته.
شعر أن عاطفته سبقته إلى غرفة ريم وعطرها ... عطرها الفرنسي المبهر الذي ما إن اشتمه حتى أغمض عينيه يستنشقه في تلذذ وقد غاب عن وعيه لبرهه وتوقفت قدماه عن السير يستشعر حنين وسحر اللحظة ... لقد اشتاق لتلك الرائحة .. لا يستطيع الإنكار أنها راقية مثل صاحبتها ذات الأسلوب الهادئ والشعر القصير الناعم والثقيل الذي غرقت يداه فيه الكثير من المرات ، هز رأسه في أسف فقديماً لم يكن يشعر بشيئ أما الآن فيتوق للمس شعرها ويعرف أنها ممنوعة ... أيتوق أم لا يتوق .. إنه لا يتوق فقط رؤيتها هكذا تنام وتضم ابنته الصغيرة في حضنها يجعله يريد أن ينضم لفراشهما الدافئ ويرمم جفاف قلبه .. تسائل في صدمة عن أي جفاف يتحدث قلبه وقد اتى لتوه من شهر من المتعة واللذة مع زوجته الجديدة ...
تذكر ما فعلته معه أمس بينما كان مريض وتخلت عنه ليبتعد عن جانبها في السرير ثم يقترب من جانب ابنته يضع يداه على كتفها في رقة بالغة وكأنه يمس جناح فراشة . لم تستوعب صغيرته بسهولة كعادتها نومها ثقيل ، ابتسم .. إنها مثله تماماً ، خلل أصابعه بخصلاتها واقترب من أذنها وبدأ يهمس
_ حبيبة بابي .. اصحي يلا وحشتيني أوي
رددها عدة مرات ولم يرد أن يستخدم طريقة أخرى لإفاقتها فلن يخاطر بهدوءها وحرمانها من أن تحظى بنهار هادئ
فتحت الصغيرة عينيها بعد تنهيدات وتقلبات على فراشها كثيراً..
ولكن ما استغربه فايز وصدمه هو أن ريم التي كانت تستفيق من عمق نومها ما إن تستشعر قربه وتشتم رائحته ... لم يتحرك لها جفن وهو الذي حسب أنه ما إن يضع يداه على كتف طفلتها ستفزع هي ليتفاخر هو بقوة تأثيره عليها ويخبرها أنها لم تكن مقصده وكالعادة يتلذذ برؤية نفسه النجم الوحيد في سماء عينها !
_ بابي !
أخيراً هتفتها رقية وهي تنظر لأبيها قبل أن يضمها لحضنه بحنان واشتياق بالغ
فصرخت هذه المرة بحماس _ بابي وحشتني أوي
وهنا فتحت ريم عينيها في ذعر وتلاقت عينها بعين فايز ثم طالعت ظهر ابنتها التي تضم والدها وفجأة انتفضت مرة أخرى وهي تضم الغطاء على جسدها وقد كانت ترتدي بجامة من الحرير بحمالات رفيعة تكشف قدر من مقدمة صدرها ... وبنفس اللحظة ارتسم الغضب الساحق على وجه فايز من فعلتها لكن ريم لم تأبه به واعتدلت سريعاً مبتعده عن الفراش ومازال الغطاء فوقها حتى اختفت خلف باب الحمام دون أن تنطق كلمة واحدة
أجبر فايز نفسه على تجاهل ريم وتصرفها لكي يستطيع أن يستشعر دفئ حضن صغيرته وبالفعل قد حدث وأغدقها بحنانه الوافى وهي لم تكتف من تقبيله قبلات متفرقة صغيرة دغدغت حواسه ليضحك ويبتسم ويتبادلا الكلمات والحركات اللطيفة التي تناسب فراشته
نزل للأسفل وهو يضمها وانضما إليهما ياسين وعمر ..
تجمعوا حول طاولة المطبخ ليخرج لهم فايز ما وجده من الشوكولا السائلة ليعطيهم لهم بوفرة والكثير من العصائر وترك لهفته لقضاء وقت ممتع معهم تحركه ...
أتت ريم وذهلت مما رأت وتدخلت سريعاً
_ بتعملوا ايه !!؟
رفع فايز حاجبه واختفت ابتسامته وصوتها المتحفز الذي لم يسمعه كثيراً رن في آذانه وتشنج ظهره الذي كان مقابل لعينها ثم اعتدل وحسمها .. إنها تريد أن تتشاجر فليكن !
_ بيفطروا
_ وهو دا فطارهم يا فايز ؟
استنكرت رده في تحفز وتحركت تلتقف كل ماهو أمامهم تحت تذمر أولادها لكن نظرة من عينيها الغاضبة جعلتهم يتركون ما في أيديهم في خجل ليقول فايز في شيء من الغضب بينما يحاول أن يتماسك حتى لا يفتعل مشكلة أمام أطفاله بينما هي تتوجه للثلاجة وتضع بها تلك المنتجات التي من غير الصحي تناولها بذلك التهور
_ أنا اللي حاطط الحجات دي فسيبيها ياريم
لم تلتفت له بل أمرت أطفالها
_ اغسلوا ايديكم واستنوني في اوضتكم
خرجت الأولاد من المطبخ ليشعر فايز أنها تغلبت عليه ليتوجه بسرعة ويقف أمام الأطفال مانعا اياهم من الصعود
_ ارجعوا مكانكم تاني
احتار الأطفال أي أمر ينفذون لكن ريم حسمتها بينما تقول
_ أنا قولت على فوق
وبنظرة غاضبة جعلتهم يتوجهون فورا الي الاعلي ليهتاج فايز كثيرا قائلا
_ ريم ... عاوزك لو سمحتي
نظرت له في شيء من القوة على عكس ما أنتظره فايز الذي بادر قائلاً في غرور
_ تعاملك معايا مش عاجبني ..
_ حاضر هحسنه ..
انفتحت عينيه بعدما أجابت ريم ثم تركته وغادرت ليقف هو مصدوم من أسلوبها معه وحتى أنه لم ينظر في أثرها بينما تغادر وكأنه قد تخشب
بعد دقائق كانت جهزت أطفالها ونزلت للأسفل برفقتهم وأعدت لهم فطار شهي وصحي مع اضافة بعض المسليات حتى لا تحرمهم من شيء لكن كان كل شيء بقدر
دارت بجسدها له بينما وقف يحتسي قهوته بعيداً على السفرة المقابلة للمطبخ بينما كان مطبخ مفتوح مما سمح له مشاهدتهم بغيظ وبعينين حمراوتين ولم يأكل شيئ منذ أيام ...
لم تسأل ريم عنه ولم تحضر له إفطار حتى هذه القهوة التي يشربها على معدة فارغة لم تعدها هي وتهاونت أيضًا في سؤاله أكان قد تناول شيء قبلها أم لا ..
_ يلا يا ياسين هات اخواتك وتعالى
هتف في أطفاله في ضجر بينما كانت تمزح معهم ريم وتطعمهم في اهتمام بيديها حتى تدللهم وتلههم وتتأكد من أنهم تناولوا العناصر التي تحتاجها أجسادهم الصغيرة
لم يهتموا له فتأفف ثم نظر لساعته وهتف بصوت عالي منزعج
_ اتأخرنا كدة
هنا نظرت له ريم فقابلها النظرة بتحفز لكنها كانت هادئة ثم دارت وجهها ونظرت لأطفالها ثم حثتهم على النهوض
توجهوا للباب مع الأطفال ليقف الأطفال فجأة في حزن ثم قال ياسين
_ أنا خايف أروح المدرسة أرجع متكونش موجود !
ثم قال عمر في شوق
_ بااابي وحشتنا أوي عاوزين نقعد معاك كتير
لمعت عيني فايز بالدموع بينما يرى شوقهم له بل وخوفهم من فقدانه وريم تتابعه بعينيها التي تفيض بمشاعر متعددة فقال فايز لأفطاله بينما يميل لصيبح في مستوى طولهم وهم واقفين يمكسون بيدي ريم
_ وأنا هموت واقعد معاكم ...
ارتمت بين زراعيه رقيه
_ بعيد الشر عنك يا بابي
أثلجت صدره وأظهرت إبتسامته الواسعة هاتفًا
_ أرق وأجمل رقية .. ملكة قلبي
شهقت رقية خارجة من حضن والدها
_ هيه ومامي تبقى إيه ؟
نظر فايز لريم متأملاً إياها لتنظر له ريم بنظرة غريبة طالت وعندما لم تجد رداً منه أشاحتها وكأن كان لديها أمل وتبخر .. أما فايز فلم يعلم ماذا يقول .. أيخبرهم أنه ما إن اجتمع بهم حتى شعر أنه عاد لوطنه ! ... ولكنه تائه في تحديد إلى من يعود الفضل في ذلك الشعور ؟ لأطفاله أم .... لريم زوجته ! ..
اعتدل فايز وأخذ أطفاله وأجلسهم في مقاعدهم في السيارة ثم خرج متوجهًا لريم آمرًا
_ حضري شنط الولاد هبعت حد ييجي ياخدهم بعد شوية ..
سألت في هدوء _ ليه ؟
ليأتيها رده المتحفز _ يعني إيه ليه هما مالهمش مكان غير بيتي أنا ..
.png)